تكشف التحركات الفرنسية-الإماراتية مؤخراً في بيروت عن مسار منسّق لإعادة إدماج لبنان في شبكة الممرات الاقتصادية الإقليمية، بالتوازي مع إعادة ترتيب قواعد الاشتباك جنوباً. هذه التحركات، التي تتقاطع مع ضغوط أميركية، لا تُقرأ كمبادرة استثمارية معزولة، بل كجزء من مقاربة أوسع لإعادة صياغة موقع لبنان في شرق المتوسط.
يأتي هذا الحراك في ظل تصاعد التوتر الأميركي-الإيراني، واستمرار الحرب المفتوحة على أكثر من جبهة، ما يضع لبنان عند تقاطع حسابات أمنية واقتصادية معقدة، إذ إن الممرات التجارية الجديدة، وفي مقدمتها مشروع IMEC، باتت تُستخدم كأدوات لإعادة توزيع الأدوار والنفوذ في المنطقة، وليس فقط كمشاريع تنموية.
في هذا السياق، تجد بيروت نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين الإغراءات الاستثمارية والاشتراطات السياسية، فإعادة تأهيل المرافئ وتفعيل قطاع الطاقة ودعم الجيش، كلها ملفات تُطرح ضمن مقاربة دولية واحدة، بينما يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة لبنان على الاستفادة من هذه الفرص من دون الانخراط في اصطفافات أمنية عميقة.
باريس تعود من بوابة المرافئ والطاقة
تشير المعلومات المتقاطعة التي توصل إليها "عربي بوست" إلى أن زيارة الموفد الفرنسي الخاص بالمبادرة، جيرار ميستراليه، إلى بيروت لم تكن استطلاعية فحسب، بل تضمنت عرضاً تفصيلياً لدور يمكن أن يلعبه لبنان كمحطة لوجستية في شرق المتوسط، شرط التزامه بسلسلة تفاهمات سياسية وأمنية غير معلنة مع الجانب الإسرائيلي.
مصادر حكومية لبنانية مطلعة على النقاشات قالت إن الجانب الفرنسي شدد على أن إعادة تأهيل وتطوير مرفأ بيروت يمكن أن يتم إدراجهما ضمن حزمة استثمارات أوسع مرتبطة بالممر، ما يمنح لبنان نافذة خروج من عزلته الاقتصادية.
ولفتت المصادر التي صرحت لـ"عربي بوست"، مفضلةً عدم ذكر اسمها، إلى أن أي تعديل جوهري على خط السير الأصلي للمشروع، بما يسمح بتفادي الربط المباشر بين لبنان وإسرائيل، سيحتاج إلى موافقة أميركية أولاً، ثم إلى تفاهم مع الشركاء الأساسيين، وفي مقدمتهم الهند والسعودية.
وتضيف المصادر أن فرنسا تدرك حساسية الداخل اللبناني تجاه أي صيغة توحي بتطبيع مباشر مع إسرائيل، في ظل استمرار إسرائيل في احتلال جزء من الأراضي اللبنانية واعتقال عشرات اللبنانيين، واستمرار سياسة القتل والاغتيالات.
لذلك تطرح فرنسا والإمارات مؤخراً حلولاً تقنية "التفافية"، لكن هامش المناورة يبقى محدوداً في ظل الإمساك الأميركي الكامل بخيوط المبادرة، وفي ظل التوتر السعودي-الإسرائيلي.
ولا تنفصل هذه العودة الفرنسية عن إرثها في قطاع الطاقة اللبناني، حيث سبق لشركة "توتال إنرجيز" أن لعبت دوراً محورياً بعد اتفاق الترسيم البحري مع إسرائيل عام 2022.
وتعتبر مصادر رسمية تحدثت لـ"عربي بوست" أن باريس تحاول البناء على هذا المسار لتكريس نفسها شريكاً لا غنى عنه في أي إعادة إعمار أو استثمار طاقوي مرتقب، سواء في البلوكات البحرية أو في مشاريع البنى التحتية المرتبطة بالنقل والتخزين.
خطوة اقتصادية أم تمهيد سياسي؟
بحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست"، فإن الحراك الاقتصادي يتزامن مع ضغوط أميركية متصاعدة على لبنان لاستكمال تنفيذ خطة حصرية السلاح، والانتقال إلى المرحلة الثانية شمال نهر الليطاني.
في هذا السياق، يبدو أن انخراط لبنان في الممر الاقتصادي قد يُستخدم كورقة تحفيزية لدفع بيروت نحو خطوات سياسية أوسع مع الجانب الإسرائيلي.
وتؤكد المصادر الحكومية اللبنانية أن رئيس الجمهورية جوزيف عون يتعامل مع الملف من زاوية "تغليب المصلحة الوطنية الاقتصادية"، انطلاقاً من شعار تحييد لبنان عن صراعات المحاور.
إلا أن مصادر معارضة داخلية تعتبر أن أي اندماج في شبكة مصالح تضم إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر سيضع لبنان في قلب اصطفاف إقليمي جديد، وخاصةً أن لبنان يبتعد عن مسار إقليمي آخر يضم تركيا والسعودية ومصر وقطر وسوريا.
وتكشف المصادر أن رسائل أميركية وصلت إلى بيروت خلال الأسابيع الماضية تشجّع على "مقاربة واقعية" للعلاقة مع حكومة بنيامين نتنياهو، مع التأكيد أن أي مسار استثماري واسع النطاق لن يكون منفصلاً عن المناخ الإقليمي الأوسع الذي تعمل الإدارة الأميركية على ترتيبه بين دول عربية وإسرائيل، وخاصةً بعد إطلاق مجلس السلام.
في هذا الإطار، يقرأ مراقبون تزامن الضغط الأمني مع الإغراء الاقتصادي كجزء من مقاربة متكاملة: إعادة تعريف دور الجيش اللبناني جنوباً، تثبيت وقف إطلاق النار، ثم إدخال لبنان في شبكة مصالح اقتصادية إقليمية تجعل كلفة الخروج عنها مرتفعة سياسياً.
غير أن هذا السيناريو يصطدم بحساسية داخلية عميقة، في ظل الانقسام الحاد حول شكل العلاقة مع إسرائيل وطبيعة التموضع الإقليمي للبنان.
اتفاق قبرص خطوة تمهيدية
قبل التقدم في مناقشة الانضمام إلى الممر، أنجز لبنان اتفاقية الترسيم البحري مع قبرص، بعد سنوات من التعثر، وتؤكد مصادر شاركت في المفاوضات أن الاتفاق جاء نتيجة ضغط إماراتي-أوروبي وأميركي واضح لتسوية النقاط العالقة سريعاً، وبطلب إسرائيلي.
بعض الخبراء اعتبروا الصيغة النهائية "منقوصة" لجهة الحقوق البحرية، غير أن القرار السياسي حسم المسألة بدافع تجنب تعطيل مصالح قبرص في شرق المتوسط.
وتضيف المصادر أن الخطوة أثارت تحفظات تركيا، فضلاً عن امتعاض سوري بسبب غياب التنسيق المسبق، عبّر عنه وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة خلال لقائه نظيره اللبناني.
وبحسب تقدير دبلوماسيين غربيين، فإن تثبيت الحدود البحرية مع قبرص يُعد خطوة تمهيدية لإعادة ترتيب شبكة الممرات والطاقة في المنطقة، بما ينسجم مع أولويات أوروبا في تقليل الاعتماد على مسارات تقليدية.
ويأتي إعادة تموقع لبنان في شرق المتوسط في سياق أوسع يشمل مشاريع الربط الكهربائي وخطوط الغاز وإعادة توزيع الأدوار بين موانئ شرق المتوسط.
"الميكانيزم" بين العسكري والسياسي
في موازاة الحراك الاقتصادي، لا يزال مسار لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، المعروفة بـ"الميكانيزم"، يراوح مكانه. وقد ترأس الجانب الفرنسي أحد الاجتماعات الأخيرة في رأس الناقورة بغياب رئيس اللجنة الأميركي، في مؤشر اعتبرته المصادر الحكومية اللبنانية محاولة فرنسية للإبقاء على دور ميداني مباشر.
وتشير المعلومات إلى أن واشنطن وتل أبيب تفضّلان إبقاء المسار العسكري منفصلاً عن أي تقدم سياسي، بانتظار تبلور نتائج المواجهة مع إيران.
كما تفيد مصادر متابعة بأن إسرائيل أبدت رغبة في تطوير قنوات التواصل العسكري المباشر مع الجيش اللبناني، في خطوة قد تمهّد لاحقاً لمستويات تفاوض أعلى.
بينما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الدفع باتجاه تشكيل شبكة تحالفات تضم الهند وقبرص واليونان ودولاً عربية، بهدف إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
وترى مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" أن إدراج لبنان ضمن الممر الهندي-الأوروبي، ولو بصيغة معدلة، سيضعه موضوعياً ضمن إطار يتقاطع مع هذا المشروع.
وتلفت المصادر ذاتها إلى أن إسرائيل قد تسعى إلى استثمار أي انفتاح اقتصادي لبناني لتعزيز الضغوط باتجاه مفاوضات سياسية مباشرة، وهو ما لا يزال يثير انقساماً داخلياً عميقاً بين من يرى في ذلك مدخلاً لاستقرار طويل الأمد، ومن يعتبره تفريطاً بثوابت سيادية في ظل استمرار النزاع المفتوح.
بين الإغراء والضغط
دوفق ما تجمع عليه المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن لبنان يتحرك في هامش ضيق بين ضغوط عسكرية وسياسية متزايدة، وإغراءات اقتصادية واستثمارية واعدة، فإعادة الإعمار والاستثمار في المرافئ والطاقة ودعم الجيش، كلها ملفات باتت مترابطة في مقاربة دولية واحدة.
لكن السؤال الذي يبقى معلقاً في الأروقة الرسمية: هل يستطيع لبنان الاستفادة من الممرات الجديدة من دون أن يجد نفسه منخرطاً في اصطفافات سياسية وأمنية عميقة؟ أم أن التحولات الجارية ستفرض عليه إعادة تعريف موقعه في شرق المتوسط، شاء أم أبى؟
في ظل تبدّل موازين القوى الإقليمية، يبدو أن لبنان يقف مجدداً أمام مفترق تاريخي، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة والاقتصاد بالأمن، فيما القرار النهائي لا يزال رهينة توازنات تتجاوز حدوده، وتعيد رسم خرائط المنطقة على وقع صراعات لم تُحسم بعد.