تدخل الجزيرة السورية مرحلة توصف داخلياً بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، حيث تتقاطع إعادة ترتيب العلاقات السياسية مع مراجعة الهيكل التنظيمي للفاعلين الأساسيين في شمال شرقي البلاد. المشهد يبدو مركباً، حيث تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع التوازنات الحزبية، في لحظة إقليمية لا تسمح بهوامش واسعة للمناورة.
تقول مصادر أمنية سورية لـ"عربي بوست" إن التحولات الأخيرة لا تبدو ناتجة عن "قرارات إدارية" داخلية فقط، بل تعكس دينامية أوسع تحكمها 3 عناصر متداخلة: ضغط إقليمي متزايد، ضبابية في الرؤية الدولية، وانفتاح تكتيكي متدرّج على دمشق. هذه العوامل مجتمعة تدفع نحو إعادة صياغة التموضع من دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع القوى المؤثرة في الملف.
ضمن هذا الإطار، يجري العمل على تعديل الواقع القائم تدريجياً، عبر إعادة توزيع الأدوار، وتخفيف كلفة الاحتكاك مع أنقرة، وفتح قنوات تواصل أوسع مع الحكومة السورية، مع الحفاظ على تماسك البنية الأمنية شرق الفرات. والنتيجة مسار إعادة هندسة صامت، تتقدم فيه الخطوات التنظيمية على الإعلانات السياسية.
إعادة تموضع كوادر حزب العمال الكردستاني
تصف مصادر أمنية سورية خروج كوادر حزب العمال الكردستاني من سوريا بأنه "تحول في طبيعة العلاقة" أكثر منه قطيعة نهائية. فمنذ تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، كانت "البنية التدريبية والمفاهيم التنظيمية" في شمال شرقي سوريا متأثرة بأطر فكرية وخبرات مرتبطة بالحزب، الأمر الذي انعكس على مؤسسات عسكرية ومدنية وإدارية، وعلى تكوين نخب محلية داخل المنطقة.
لكن الجديد، وفق معطيات حصلت عليها "عربي بوست" من مصادر أمنية سورية ومصدر دبلوماسي عربي، أن عملية الخروج من الجزيرة السورية لم تعد مجرد "خفض بصمة" أو انسحاب رمزي، بل دخلت مرحلة إعادة تموضع منظّمة.
وتقول المصادر إن عملية إعادة التموضع بدأت خلال الأسابيع الماضية من مناطق سيطرة "قسد" باتجاه جبال قنديل شمال العراق، ضمن تفاهمات غير معلنة جرى تثبيتها عبر قنوات أميركية-كردية مع الحكومة السورية.
بحسب المعطيات، فإن الدفعة الأولى شملت ما بين 100 و120 مقاتلاً، بينهم قياديون ميدانيون ومسؤولون لوجستيون يحمل بعضهم الجنسيات التركية والإيرانية والعراقية، وقد جرى نقلهم على مراحل عبر ممرات حدودية غير معلنة في محور ريف المالكية-سنجار، وصولاً إلى مناطق انتشار حزب العمال الكردستاني في قنديل.
وتضيف المصادر أن من بين المغادرين أسماء "معروفة داخل البنية العسكرية والتنظيمية"، من بينها فهمان حسين (باهوز أردال)، إضافة إلى كوادر أخرى مثل جميل سوني (اسم حركي) وروهات دلو ممن تولوا ملفات التدريب والتنسيق بين وحدات حماية الشعب والقيادة المركزية في قنديل.
مصدر أمني سوري يصف الخطوة بأنها "نقل مركز الثقل غير السوري إلى خارج سوريا" مع الإبقاء على "الإرث التنظيمي" داخل المؤسسات المحلية، بحيث تتحول العلاقة من حضور مباشر إلى تأثير غير معلن عبر كوادر محلية وأطر قائمة، وهو ما يسمح—وفق المصدر—بفتح مساحة مناورة سياسية أكبر أمام "قسد" في علاقتها مع دمشق، وتقليل الذرائع أمام تركيا.
عملياً، لا يعني هذا المسار تفكيك البنية التي تشكلت خلال عقد في الجزيرة السورية، بل إعادة توزيعها جغرافياً وتنظيمياً: المرجعية تنتقل إلى الخارج، بينما يبقى التنفيذ بيد كوادر سورية. وهو نموذج يسمح بفصل الميدان عن مركز القرار الأيديولوجي، دون كسر قنوات الاتصال.
إعادة تعريف وظيفة "القوة الضاربة وشباب الثورة"
ضمن المسار نفسه، تقول مصادر "عربي بوست" إن التفاهم تطرق إلى مجموعات تُعرف داخلياً باسم "القوة الضاربة" و"شباب الثورة"، ويُقدَّر عدد عناصر هذين التشكيلين بما بين 2500 و3000 عنصر، بينهم نحو 1000 إلى 1500 من غير السوريين.
وبحسب مصدر دبلوماسي عربي، يجري بحث آلية تدريجية لإعادة توزيع هذه التشكيلات أو تسوية أوضاعها، بما يشمل إخراج غير السوريين، إعادة توزيع مجموعات معينة، أو إدماجاً محدوداً ضمن أطر محلية "منزوعة الصلة التنظيمية المباشرة" بقنديل.
والهدف، كما تلخصه مصادر أمنية سورية، هو تقليص الحضور التنظيمي المباشر للحزب داخل الأراضي السورية، مقابل تثبيت صيغة انتشار عسكري وأمني تحت مظلة تنسيق أوسع مع الجيش السوري في بعض الملفات، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع قنديل في الشؤون التنظيمية الداخلية، أي "فصل الميدان عن المرجعية" لا إنهاء المرجعية.
هذا التفريق يعكس مقاربة براغماتية تتمثل في الحفاظ على القدرة القتالية والبنية الأمنية، مقابل تقليل الكلفة السياسية الخارجية. لكنه يطرح سؤالاً حول قدرة هذه التشكيلات على التحول من أذرع عقائدية إلى وحدات محلية منضبطة ضمن معادلة سورية أوسع.
فصل المئات من المقاتلين والموظفين العرب
في التحول الأكثر حساسية داخلياً الذي تشهده الجزيرة السورية، تتحدث مصادر أمنية سورية عن فصل المئات من المقاتلين والموظفين العرب من بنية قوات سوريا الديموقراطية في خطوة وصفتها أوساط قيادية داخل القوة بأنها "ضرورية تنظيمياً".
وتشير المصادر إلى أن العملية سبقتها إعداد قوائم يُعتقد أنها مرتبطة بمسار تفاوضي محتمل مع الحكومة السورية، وأن الهدف هو إعادة فرز البنية القيادية والعسكرية لتقديم تشكيل "أكثر تنظيماً وتناسقاً" أمام أي حوار سياسي أو إداري مع دمشق.
وتضيف مصادر دبلوماسية عربية أن التحريك التنظيمي الداخلي يسعى أيضاً إلى تقديم تشكيلة "موحدة" في الاستحقاقات المقبلة، بعيداً عن التوترات القومية والاختلالات التي أفرزتها سنوات السيطرة المتعاقبة على مناطق مختلطة ديموغرافياً، وأن "الضبط" استُخدم كذلك لامتصاص تداعيات انشقاقات سابقة وتوترات محلية بين العرب والأكراد.
لكن منتقدين محليين يرون في الخطوة مخاطرة، وفق مصادر "عربي بوست"، ويوضحون أن تقليص التمثيل العربي قد يفاقم إحساساً بالتهميش والانفصال في بعض المناطق، وقد ينعكس على علاقة "قسد" بالمجتمع المدني وبيئاتها الحاضنة في الشرق السوري، خصوصاً في الحسكة ودير الزور.
وتؤكد مصادر أمنية سورية أن إدارة هذا الملف تحتاج "حساسية سياسية عالية" لأن أي خلل قد يفتح موجات جديدة من عدم الرضى المجتمعي.
المعضلة هنا مزدوجة: تنظيم القوة استعداداً للتفاوض، من دون تفكيك توازنها الاجتماعي. وأي اختلال في هذا الميزان قد يتحول إلى أزمة شرعية محلية، لا مجرد مسألة إدارية.
إعادة هيكلة وتعريف حزب الاتحاد الديمقراطي
في المسار السياسي الموازي، تقول مصادر دبلوماسية عربية إن حزب الاتحاد الديمقراطي يقود عملية إعادة هيكلة تشمل تغيير الاسم، ومراجعة النظام الداخلي، ومراجعة أدبياته الأساسية التي رسمت مشروعه لعقود.
بحسب هذه المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست" مفضلة عدم ذكر اسمها، فإن التحول لا يُعامل كخطوة شكلية، بل كمحاولة لملاءمة الحزب مع واقع سياسي داخلي مختلف عن البيئة التي تأسس فيها.
ويُطرح التحول نحو صيغة "حزب سوري وطني" كمسار يرمي إلى نقل الحزب من كيان يحمل مرجعية أيديولوجية ضيقة نسبياً إلى فاعل سياسي قابل للاندماج في المسار السوري الأوسع، وتوسيع قاعدة القبول، وفتح قنوات تفاوض مع قوى سياسية مختلفة وصولاً إلى حكومة دمشق إذا اتسع هامش الحوار.
لكن المصادر نفسها تشدد على تعقيد المهمة: التوازن بين الحفاظ على الجذور الفكرية وبين استيعاب توقعات جمهور أوسع يتطلب تغييراً في الخطاب وأساليب العمل وآليات التمثيل، أي إعادة تعريف الحزب أمام قواعده وأمام خصومه في آن واحد.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بتعديل لافتة، بل بإعادة صياغة سردية سياسية كاملة، تسمح بالانتقال من مشروع عابر للحدود إلى تموضع سوري خالص، دون خسارة القاعدة التنظيمية.
قرار وقف التمويل: اختبار صلابة التعددية
أكثر القرارات التي أحدثت ضجة داخل البيئة السياسية في شمال شرقي سوريا كان قرار حركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM) وقف التمويل الشهري للأحزاب الـ35 المنضوية تحت إطارها.
وتقول مصادر مطلعة لـ"عربي بوست" إن هذه الأحزاب التي تشكلت منذ 2014 كانت تتلقى دعماً شهرياً يتراوح بين 5 إلى 15 ألف دولار وفق الحجم والدور.
وقد أُبلغ قادة الأحزاب بالقرار دون تقديم آلية بديلة واضحة، ما فجّر قلقاً واسعاً وفتح الباب أمام سؤالين متلازمين: هل القرار انعكاس لأزمة مالية؟ أم أداة لإعادة تعريف التحالفات وتقليص الشبكة الحزبية المرتبطة مالياً بالمركز؟
مصادر أمنية سورية تقول إن القرار لا يمكن قراءته اقتصادياً فقط، لأن توقيته يتقاطع مع مسار "إعادة ترتيب الفاعلين" داخل الإدارة الذاتية، وإعادة توزيع الأدوار ما يخدم القدرة على اتخاذ قرار استراتيجي سريع في المرحلة المقبلة دون "التزامات موسّعة" تجاه أطراف قد تعرقل حركة التفاوض أو تعقّد هندسة التسوية.
وتضيف أن تراجع الموارد، سواء بسبب تضييق قنوات التمويل أو تغير التحكم ببعض مصادر الإيرادات، هو عامل مساعد، لكنه ليس الوحيد. ووفق قراءة هذه المصادر، فإن وقف التمويل يختبر حقيقة التعددية التي نشأت منذ 2014: هل كانت قائمة على قواعد اجتماعية فعلية أم على "شبكة رعاية" ضمنتها الأموال؟
السيناريوهات المطروحة، بحسب مصادر مطلعة، تتراوح بين تراجع أحزاب صغيرة وانكفائها، بحثها عن مصادر تمويل جديدة ما يفتح باب "الاستقطاب" الخارجي، أو اندماجها داخل أطر أكبر، ما يقلّص التعددية الشكلية ويعيد إنتاج قطبية حزبية جديدة.
ماذا عن الجدل المتصاعد في الرقة؟
على خط موازٍ، تشهد محافظة الرقة جدلاً متصاعداً حول بروز شخصيات عشائرية توصف محلياً بالإشكالية، وتولي بعضهم مواقع ضمن مؤسسات خدمية وأمنية.
ويستند الجدل، وفق روايات محلية تنقلها مصادر دبلوماسية عربية، إلى سجلات سابقة لبعض هذه الشخصيات: ارتباطات بالنظام السابق وأجهزته، أو علاقات وثيقة مع "داعش"، أو تعاون مع قسد، مع اتهامات بالضلوع في انتهاكات وتعديات.
وتقول مصادر أمنية سورية إن بعض هؤلاء يدافع عن نفسه بالقول إنه كان "منسقاً" مع الحكومة قبل دخولها الرقة وخروج "قسد"، وإنه لعب دوراً في تسهيل السيطرة. لكن هذا الادعاء يلقى تشكيكاً واسعاً بين الأهالي، الذين يرون في الصفة محاولة لإعادة تدوير أسماء مثيرة للجدل تحت غطاء جديد.
الأخطر، بحسب مصادر محلية، أن صفة "المنسق" باتت كافية لتحييد أي نقاش حول الماضي، وتحولت إلى "درع معنوي" يحمي أشخاصاً من المساءلة. وتضيف المصادر أن المشهد يزداد حساسية مع منح بعض هؤلاء مناصب، مقابل تهميش أبناء الرقة الذين شاركوا في الحراك الثوري أو يمتلكون مؤهلات عالية.
ما يعني أن النقاش بدأ ينتقل إلى مسار قانوني، مع تسجيل دعاوى حق شخصي ضد قيادات سابقة مرتبطة بقوى الأمر الواقع، وهو ما يوحي بأن "القضاء قد يصبح ساحة فرز" بين الادعاء والحقيقة في المرحلة الانتقالية.
ثلاثية التأثير: توازن تحت الضغط
تتفق مصادر أمنية سورية ومصادر دبلوماسية عربية على أن التحولات لا يمكن فصلها عن ثلاثية ضغط متقاطعة:
- أنقرة تراقب عن كثب كل تغيير في بنية "قسد" وتربط الملف عضوياً بحضور حزب العمال وتهديد الأمن القومي.
- دمشق تسعى لاستعادة وجود الدولة ولو بشكل رمزي أو تدريجي في مناطق خارجة عن سيطرتها منذ 2012.
- واشنطن تريد شريكاً مستقراً وقابلاً للاستمرار وأقل إثارة للجدل، وتتفادى قطيعة مع الواقع القائم أو انهياراً مفاجئاً شرق الفرات.
في هذا السياق، تقول المصادر إن إعادة التموضع نحو قنديل، والفصل الداخلي، والتحول الحزبي، ووقف التمويل ليست أحداثاً منفصلة، بل مواءمة تكتيكية مع ما يفرضه الواقع الإقليمي والدولي.
الجزيرة السورية، إذاً، ليست أمام تغيير شكلي، بل أمام محاولة لإعادة هندسة منظومة كاملة: تقليص الارتباط العابر للحدود، إعادة ضبط التوازنات الداخلية، اختبار صدقية التعددية، وفتح مسار تفاوضي محتمل مع دمشق دون خسارة الشراكة مع واشنطن أو استفزاز أنقرة.
والمحصلة أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الخريطة ستتغير، بل كيف ستُعاد صياغتها، ومن سيكون قادراً على البقاء داخل معادلة جديدة تُرسم بهدوء خلف الستار.