دخلت واقعة مقتل سيف الإسلام القذافي، الثلاثاء 3 فبراير/ شباط 2026، مرحلة التحقيق القضائي الرسمي بعد تحرك مكتب النائب العام لفتح ملف جنائي في الحادثة، وسط شحٍّ واضح في التفاصيل التشغيلية المعلنة، مقابل اتساع دائرة الروايات المحلية حول كيفية تنفيذ العملية داخل مقر إقامته بمدينة الزنتان.
ورغم ثقل الاسم سياسيًا ورمزيًا في المشهد الليبي، اختارت الجهات الرسمية اعتماد سياسة الصمت الإعلامي، مكتفية بتأكيد فتح التحقيق وجمع الأدلة، في وقت تحولت فيه المدينة الجبلية إلى بؤرة تداول روايات متقاطعة، تتنافس لملء فراغ المعلومات، وتقدّم مشاهد مختلفة لمسار الاغتيال، من نقطة الاختراق إلى التوقيت ودور منظومة الحراسة.
وبين تحقيق قضائي مفتوح، وكاميرات مراقبة يُقال إنها وثّقت مقتل سيف الإسلام القذافي، و3 روايات محلية متداولة، تتداخل الأسئلة الجنائية مع الخلفيات الأمنية والسياسية، ما يجعل هذه القضية أبعد من حادثة اغتيال تقليدية، وأقرب إلى اختبار لقدرة الدولة الليبية على إدارة ملف بالغ الحساسية.
تحقيق رسمي وصمت محسوب لحماية سير التحقيق
بحسب ما توافر من معطيات رسمية، باشر مكتب النائب العام إجراءات التحقيق فور تلقي بلاغ يفيد مقتل سيف الإسلام القذافي، حيث أوفد فريقًا مختصًا إلى موقع الحادثة لإجراء المعاينة الميدانية وسماع الشهود وجمع الأدلة الفنية، بمشاركة أطباء شرعيين وخبراء أسلحة وبصمات وسموم وتخصصات تقنية متعددة. وأكدت المعاينة وفحص الجثمان أن الوفاة نجمت عن إصابات بأعيرة نارية قاتلة.
وفي المقابل، لم يصدر حتى الآن أي بيان تفصيلي يشرح مسار التنفيذ أو يحدد هوية المشتبه بهم في مقتل سيف الإسلام القذافي، في سياق يُفهم على أنه رغبة في عدم الإضرار بسير التحقيق في قضية شديدة الحساسية، مع استمرار العمل دون تسريبات من مكتب النائب العام.
ويشير هذا الصمت بشأن تفاصيل وحيثيات مقتل سيف الإسلام القذافي إلى محاولة ضبط إيقاع الملف، خصوصًا في بيئة اعتادت أن تتحول فيها القضايا الجنائية الكبرى سريعًا إلى مادة للتجاذب السياسي أو التوظيف الأمني في المشهد الليبي المتوتر منذ سنوات.
الزنتان: مدينة مسلحة لكن منضبطة نسبيًا
لفهم دلالات الجريمة، لا بد من التوقف عند السياق الأمني للزنتان. فالمدينة تُعد من أبرز مدن جبل نفوسة، وتتمتع بثقل عسكري محلي، حيث تنتشر فيها تشكيلات مسلحة ذات طابع مناطقي، لكنها في الوقت نفسه تُعرف نسبيًا بانضباطها مقارنة بمدن ليبية أخرى، وبقدرتها على ضبط الأمن الداخلي ومنع الانفلات الواسع.
هذا الواقع يجعل حدوث عملية اغتيال داخل نطاق إقامة مغلق في الزنتان حدثًا غير اعتيادي، ويطرح تساؤلات حول قدرة المنفذين على التحرك داخل محيط مراقَب، وما إذا كان ذلك يتطلب معرفة مسبقة بالمكان أو رصدًا زمنيًا دقيقًا لتحركات الهدف قبل تنفيذ العملية.
"الاستراحة": مكان مغلق لا حادث عرضي
تتقاطع الروايات المحلية على أن واقعة مقتل سيف الإسلام القذافي لم تحدث في حي مفتوح أو شارع عام، بل داخل نطاق إقامة خاص يُوصف محليًا بـ"استراحة"، وهي قطعة أرض مسوّرة تضم منزلًا، وتقع ضمن محيط مغلق في ضواحي الزنتان.
هذا التفصيل يحوّل القضية من فرضية إطلاق نار عشوائي إلى عملية اختراق لمكان خاص، ويضع أمام التحقيق أسئلة تشغيلية دقيقة: هل جرى الدخول عبر البوابة الرئيسية أم من نقطة في السور؟ وهل كانت منظومة المراقبة تغطي محيط السور فقط أم الداخل أيضًا؟ وهل كان المكان يخضع لحراسة ثابتة أم متغيرة؟
- الرواية الأولى: 4 تجاوزوا السور ثم إطلاق نار مباشر
وفق مصدر قريب من سيف الإسلام القذافي، فإن 4 أشخاص تجاوزوا السور ودخلوا إلى داخل الاستراحة. ويضيف المصدر أن سيف الإسلام كان يتجول داخل المكان ولاحظ وجودهم قرب أحد أطرافه، فتوجه نحوهم قبل أن يتعرض لإطلاق نار مباشر أدى إلى وفاته.
هذه الرواية تجعل السور نقطة البداية في مسرح الجريمة، وتفرض على التحقيق البحث عن آثار تسلق أو اختراق، وتحديد موضع إطلاق النار بدقة: هل وقع قرب السور أم داخل فناء الاستراحة؟ وكيف غادر المنفذون المكان بعد تنفيذ عملية قتل سيف الإسلام القذافي؟
- الرواية الثانية: "نافذة الدقائق" والتوقيت الحاسم
رواية ثانية متداولة من مصادر متطابقة في الزنتان تربط جريمة مقتل سيف الإسلام القذافي بنافذة زمنية قصيرة. فبحسب هذه الرواية، قام مرافق أو شخص من دائرة مرافقي سيف الإسلام بإيصاله إلى الاستراحة ثم غادر لفترة وجيزة لجلب بعض الأغراض، وخلال غيابه سُمع إطلاق نار من جهة المكان، وعند عودته وجد سيف الإسلام مقتولًا.
قيمة هذه الرواية أنها تمنح التحقيق إطارًا زمنيًا يمكن اختباره فنيًا، من خلال مطابقة شهادات السماع مع تسجيلات الكاميرات، إن وُجدت، ومع بيانات الحركة داخل محيط الاستراحة. ولا تنفي هذه الرواية بالضرورة الأولى، إذ يمكن أن تكون فترة الغياب هي اللحظة التي استُغلّت لاختراق السور.
- الرواية الثالثة: نفي "الفاعل الداخلي" وحديث عن تصفية لاحقة
بعكس فرضيات مبكرة عن "مؤامرة داخلية"، تقول رواية ثالثة من مصادر قريبة من سيف الإسلام إن العملية لا تتعلق بفاعل من داخل الحلقة الضيقة، بل تشير إلى أن إطلاق نار لاحق وقع بعد مقتل سيف الإسلام، إذا كان أحد أفراد دائرته الأمنية موجودًا في المكان وقت الحادثة، وقد جرى "تصفيته لاحقًا" بعد تنفيذ الهدف الأساسي.
هذه الرواية تنفي التواطؤ الداخلي، لكنها تفتح سؤالًا حساسًا: هل سقط ضحايا أو مصابون آخرون؟ وإن كان ذلك صحيحًا، لماذا لم يُعلن عنه رسميًا؟
الكاميرات تعمل والتسجيلات بحوزة النائب العام
أكثر النقاط حساسية في الملف تتعلق بمنظومة المراقبة. فبينما تحدثت روايات إعلامية عن تعطيل الكاميرات، تؤكد مصادر مطلعة أنها كانت تعمل، وأن تسجيلاتها أصبحت بحوزة مكتب النائب العام.
وبحسب هذه المصادر، فإن التسجيلات أظهرت هوية منفذي الاقتحام. غير أن غياب أي تعليق رسمي حول مضمونها أو نتائجها العملية يُبقي هذه المعلومة في إطار "معلومات من مصادر" إلى حين تأكيدها قضائيًا.
بالتوازي، جرى تداول بيان منسوب إلى الفريق السياسي لسيف الإسلام، يتضمن نعيه والقول إن العملية نفذها 4 ملثمين، مع الحديث عن تعرض الحراس لإطلاق نار ووقوع اشتباك مباشر قبل مقتله، إلى جانب دعوة إلى تحقيق "مستقل وشفاف"، وحث المناصرين على ضبط النفس.
وتبقى قيمة هذا البيان مرتبطة بتثبيت مصدره، لكنه يعكس بوضوح الرواية التي يسعى فريقه إلى ترسيخها في المجال العام.
سيف الإسلام القذافي: الوزن السياسي لحظة الاغتيال
لا يمكن فصل الجريمة عن موقع سيف الإسلام السياسي قبيل مقتله. فالرجل ظل يمثل رقمًا صعبًا في المعادلة الليبية، سواء كرمز لمرحلة سابقة أو كفاعل محتمل في أي تسوية سياسية أو استحقاق انتخابي مقبل، وهو ما يجعله خصمًا أو عبئًا سياسيًا محتملًا على أكثر من طرف داخلي وخارجي.
هذا البعد السياسي يفتح سؤال "من المستفيد؟" دون القفز إلى اتهامات، لكنه يضع الاغتيال في سياق صراع نفوذ أوسع من مجرد حادث جنائي معزول.
وتستحضر هذه الحادثة نمطًا تكرر في ليبيا خلال السنوات الماضية: اغتيالات في أماكن مغلقة، صمت رسمي أولي، وروايات محلية متضاربة. وفي كثير من تلك القضايا، لم تظهر الحقيقة كاملة إلا بعد فترات طويلة، أو بقيت معلّقة دون حسم قضائي.
هذا السياق التاريخي يضاعف من أهمية التحقيق الحالي، ويضعه تحت اختبار مصداقية الدولة الليبية في إدارة ملفات الاغتيال السياسي.
روايات مقتل سيف الإسلام القذافي تملأ الفراغ
بين الروايات الثلاث، هناك أسئلة تشغيلية إذا أُجيب عنها تتضح الصورة سريعًا:
نقطة الاختراق: هل ثبت تجاوز السور؟ ومن أين؟
موضع إطلاق النار: داخل فناء الاستراحة أم قرب المنزل؟
التوقيت: متى سُمع إطلاق النار؟ ومن كان حاضرًا؟
ضحايا آخرون: هل سقط أشخاص ضمن دائرة الحراسة؟
التسجيلات: هل تُظهر الوجوه بوضوح؟ وهل قادت إلى توقيفات؟
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، تبقى الحقيقة الأكثر صلابة أن مقتل سيف الإسلام القذافي كان بإطلاق نار، وأن التحقيق القضائي الرسمي مفتوح دون تفاصيل تشغيلية معلنة.
أما الروايات المحلية، تجاوز السور، نافذة الدقائق، إطلاق لاحق محتمل، فهي تظل روايات ذات قيمة تحليلية، لكنها لن تتحول إلى وقائع ثابتة إلا عندما تسمح جهة التحقيق بخروج جزء من الصورة إلى العلن. وفي ليبيا، حيث يتأخر البيان الرسمي غالبًا، تسبق الروايات الحقيقة وتتنافس على امتلاكها.