المفاوضات الأمريكية–الإيرانية: واشنطن تضع تقليص نفوذ الصين شرطًا أساسيًا قبل التوصل إلى أي اتفاق

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/04 الساعة 20:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/04 الساعة 20:35 بتوقيت غرينتش
أمريكا تضع شروطها قبل التوصل لأي اتفاق مع إيران/ عربي بوست

تتجاوز المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران الإطار التقليدي للملف النووي، لتلامس، وفق مصادر دبلوماسية، بنية النظام الإيراني نفسها واتجاهه الاستراتيجي في الإقليم والعالم، في مسار تفاوضي بالغ الحساسية يجري التحضير له وسط تهديدات عسكرية وضغوط إقليمية متصاعدة.

وتتعامل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع هذا المسار بوصفه فرصة لإحداث تغيير سياسي عميق داخل النظام الإيراني، مقابل مقاربة إيرانية حذرة ترى في التفاوض مع أمريكا اختبارًا وجوديًا، لا مجرد صفقة تقنية لرفع العقوبات أو تجنب مواجهة عسكرية.

وفي الخلفية، تبرز حسابات دولية أوسع، على رأسها سعي واشنطن إلى تقليص النفوذ الصيني داخل إيران، وربط أي تسوية بإعادة رسم التحالفات الإقليمية لإيران وتوازنات الطاقة، بما يجعل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران جزءًا من صراع جيوسياسي أشمل.

تفاوض شامل يتجاوز النووي إلى بنية النظام

قالت مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" إن المسار التفاوضي الجاري التحضير له بين الولايات المتحدة وإيران لا يقتصر على الملف النووي أو برنامج الصواريخ الباليستية أو شبكة النفوذ الإقليمي لطهران، بل يتجاوز ذلك إلى بحث تغييرات أعمق تمس بنية النظام الإيراني نفسها، وتوازن الصلاحيات داخل مؤسساته، واتجاهه الاستراتيجي في الإقليم والعالم.

وبحسب هذه المصادر، فإن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتعامل مع إيران انطلاقًا من قناعة بأن الإشكالية الأساسية معها ليست تقنية أو عسكرية فحسب، بل سياسية وبنيوية، ما يفسّر انتقال الخطاب الأميركي من سياسة "الاحتواء" إلى مقاربة "التغيير من الداخل".

هذا التوجه الأميركي عبّر عنه ترامب علنًا حين قال إن "إيران أصبحت بحاجة إلى تغيير قيادتها"، في إشارة إلى تغيير في مسار الحكم وطبيعة القرار داخل النظام، من دون أن يعني ذلك بالضرورة السعي إلى إسقاطه عسكريًا.

في المقابل، تدرك طهران أن واشنطن تسعى إلى فرض معادلة ضاغطة تقوم على مسار تفاوضي واسع يترافق مع تهديد فعلي باستخدام القوة، بما يجعل خيار التنازل أقل كلفة من المواجهة، ولا سيما في ظل حشد عسكري أميركي في الشرق الأوسط لم تشهده المنطقة منذ التحضيرات لغزو العراق عام 2003.

هواجس إيرانية تحكمها الذاكرة التاريخية

قال مصدر إيراني مطلع إن تعاطي طهران مع هذا المسار تحكمه ذاكرة سياسية مثقلة بتجارب مريرة. ففي النقاشات الداخلية، لا تغيب تجربة نهاية الحرب العراقية–الإيرانية عام 1988، عندما قبل مرشد الثورة الإيرانية آية الله روح الله الخميني وقف الحرب حفاظًا على بقاء النظام، واعتُبر القرار آنذاك تنازلًا وجوديًا، جرى توصيفه بـ"تجرّع كأس السم".

كما تحضر بقوة تجربة العراق بعد غزوه الكويت عام 1990، حين دخل في مفاوضات مع واشنطن انتهت بحصار خانق أعقبه اجتياح عسكري أسقط النظام. هذه السوابق تجعل القيادة الإيرانية شديدة الحذر من أي مفاوضات تجري تحت ضغط التهديد العسكري.

وتخشى طهران أن يتحول التفاوض إلى غطاء لعمل عسكري أو وسيلة لاستنزاف الوقت وإضعاف الداخل تمهيدًا لتغيير سياسي قسري. لذلك، لا تنظر طهران إلى المفاوضات بوصفها مسارًا تقنيًا، بل باعتبارها اختبارًا وجوديًا لمستقبل النظام.

تطورات ميدانية وانقسام داخلي

تزامن التحضير للمفاوضات مع تطورات عسكرية غير متوقعة رفعت منسوب التوتر. فقد شهد مضيق هرمز اعتراض ناقلة نفط من قبل مسلحين، فيما أعلنت الولايات المتحدة إسقاط طائرة مسيّرة اقتربت من إحدى حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة.

وفق المصادر الدبلوماسية العربية، تطلّبت هذه الحوادث اتصالات مكثفة وسريعة قادتها قطر وسلطنة عُمان وتركيا لاحتوائها، خشية تحولها إلى شرارة مواجهة واسعة تُسقط المسار التفاوضي قبل انطلاقه.

في الداخل الإيراني، استُخدمت هذه التطورات لتعزيز خطاب التشكيك بالنيات الأميركية، واعتبار أن واشنطن ترفع سقف التصعيد لإجبار إيران على تقديم تنازلات أكبر. كما تتهم طهران إسرائيل بالعمل على دفع الولايات المتحدة نحو خيار المواجهة العسكرية، سواء عبر الضغط السياسي أو من خلال خلق وقائع ميدانية قابلة للانفجار.

وفق المعلومات، يشهد النظام الإيراني نقاشًا داخليًا غير مسبوق حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، ويمكن رصد 3 اتجاهات رئيسية داخل مراكز القرار:

  • اتجاه أول يرى أن البلاد لا تحتمل حربًا جديدة، ويدفع نحو تفاوض شامل يطال مختلف الملفات، بما فيها النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، وحتى إعادة توزيع الصلاحيات داخل النظام.
  • اتجاه ثانٍ يتمسك بحصر التفاوض بالملف النووي فقط مقابل رفع العقوبات الاقتصادية، ويرفض فتح ملفات أخرى تعتبرها طهران خطوطًا حمراء.
  • اتجاه ثالث متشدد يرفض أي تفاوض مباشر أو غير مباشر مع واشنطن، ويرى أن تقديم أي تنازل سيؤدي إلى سلسلة تنازلات تنتهي بإضعاف النظام من الداخل.

ورغم هذا الانقسام، تشير المعطيات إلى أن الرأي الغالب داخل دوائر القرار يميل إلى تجنب الحرب، مع تصاعد دور أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني في إدارة الملف، ضمن مقاربة تقوم على "التنازل عن بعض المرتكزات للحفاظ على النظام ككل".

جدل المكان: تفصيل إجرائي لا يمس الجوهر

في الأيام الأخيرة، برز لغط حول مكان انعقاد الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بين إسطنبول ومسقط، مع حديث عن رفض إيراني لمشاركة دول عربية وإسلامية. إلا أن الخارجية الإيرانية نفت هذه الروايات، مؤكدة أن المشاورات لا تزال جارية، وأن طهران لا تعترض على عقد اللقاء في تركيا أو سلطنة عُمان، ولا على حضور أطراف إقليمية.

وبحسب مصادر إيرانية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن هذا الجدل لا يعكس أزمة حقيقية، إذ لا يُنظر إلى مكان المفاوضات بوصفه مسألة جوهرية، بل تفصيلًا إجرائيًا، فيما تبقى العقدة الأساسية مرتبطة بمضمون التفاوض والضمانات المطلوبة، وفي مقدمتها ضمان عدم تنفيذ أي ضربة عسكرية أميركية أو إسرائيلية خلال سير المحادثات.

وتشير المصادر إلى أنه خلال الأيام الماضية تكثف تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران عبر قنوات متعددة. فقد لعبت السعودية دورًا أساسيًا من خلال زيارة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إلى واشنطن، حيث نقل مخاوف الرياض من تداعيات أي مواجهة عسكرية على أمن الخليج وأسواق الطاقة العالمية.

وفي موازاة ذلك، نشطت قناة تركية بإشراف وزير الخارجية هاكان فيدان، تضمنت تواصلًا مباشرًا بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدفع المسار السياسي قدمًا.
كما عاد الدور الروسي إلى الواجهة عبر مقترح نقل تخصيب اليورانيوم عالي النسبة إلى خارج إيران، إلى جانب أدوار مكمّلة لكل من قطر وسلطنة عُمان وسويسرا.

تنازل استراتيجي يفتح باب التفاوض

بحسب معلومات خاصة لـ"عربي بوست"، وافقت إيران للمرة الأولى منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 على مناقشة خيار تخصيب اليورانيوم بالكامل خارج أراضيها، سواء في روسيا أو ضمن صيغة إقليمية، مقابل ضمانات أميركية بعدم توجيه ضربة عسكرية طالما تُبدي طهران جدية في التفاوض.

ويُعد هذا التحول تنازلًا استراتيجيًا كبيرًا، إذ يعني عمليًا إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من إيران ووضع عملية التخصيب تحت رقابة دولية مشددة، بما يمنع اقتراب طهران من العتبة النووية العسكرية. في المقابل، يجري بحث تخفيف تدريجي للعقوبات، خصوصًا في قطاع النفط والأرصدة المالية، عبر إعفاءات أو رفع جزئي للعقوبات.

ولا يقتصر التفاوض على الملف النووي، إذ تصر واشنطن على فتح ملف الصواريخ الباليستية وتربط أي رفع للعقوبات بالتوصل إلى تفاهم بشأنه. وبين الموقفين الأميركي والإيراني، تحاول تركيا لعب دور توفيقي عبر البحث عن صيغة تضمن عدم استخدام الصواريخ إلا في الإطار الدفاعي، مقابل ضمانات أميركية بعدم استهداف إيران.

كما تشير المعلومات إلى أن المسار التفاوضي سيتناول ملفات إقليمية حساسة، أبرزها غزة ولبنان والعراق، في إطار تنسيق بين الولايات المتحدة وتركيا وقطر والسعودية يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، والبحث في مستقبل سلاح حركة حماس، بما قد ينعكس على لبنان في ملف سلاح حزب الله، مقابل ضمانات بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والدخول في مسار سياسي داخلي.

كذلك يُتوقع أن ينعكس أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران على العراق عبر دفعه نحو تسوية سياسية في ملف رئاسة الحكومة ومستقبل القوى القريبة من طهران.

واشنطن وقطع الطريق على الصين

وبحسب المصادر الإيرانية، فإن واشنطن ربطت مسار التفاوض مع طهران بجملة شروط غير مُعلنة تتصل بعلاقة إيران مع الصين، من دون طرحها كبنود تفاوضية مباشرة أو مكتوبة. وتتعامل الإدارة الأميركية مع هذا الملف بوصفه جزءًا من رؤيتها الاستراتيجية الأوسع لمواجهة النفوذ الصيني، ولا سيما في قطاعي الطاقة والممرات التجارية.

وتركّز هذه المقاربة على تحجيم اعتماد الصين على النفط الإيراني، وضبط صادرات الطاقة الإيرانية التي تُصدَّر إلى بكين بأسعار تفضيلية خارج الأطر الرقابية الدولية، بما يحول دون تحوّل إيران إلى مصدر طاقة موازٍ خارج السيطرة الأميركية.

كما تسعى واشنطن إلى منع ترسيخ الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد بين طهران وبكين، التي تشمل استثمارات صينية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتمويل، وتُعدّ، من وجهة النظر الأميركية، مظلة اقتصادية وسياسية تحصّن إيران في مواجهة العقوبات الغربية.

وتهدف الولايات المتحدة من خلال ذلك إلى إعادة إدخال إيران تدريجيًا إلى النظام الاقتصادي العالمي بشروط غربية، وتقليص اندماجها في المنظومة الصينية، بما يحدّ من قدرة بكين على استخدام إيران منصة نفوذ استراتيجي في الخليج والشرق الأوسط، ويعيد ضبط توازنات الطاقة والتجارة في المنطقة ضمن سقف النفوذ الأميركي.

وترتبط هذه المفاوضات برؤية أميركية أوسع لإعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة. فواشنطن تسعى إلى إدخال إيران في مسار تفاهمات يحدّ من تقاربها مع الصين، ويمنح الولايات المتحدة دورًا أكبر في التحكم بمسارات الطاقة والغاز، بما في ذلك كيفية تصدير الغاز الإيراني إلى الأسواق الآسيوية.

وفي هذا السياق، يعمل ترامب على بناء إطار إقليمي جديد يقوم على تقاطعات سياسية وأمنية واقتصادية، وربط هذا المسار بتوسيع دائرة الاتفاقات مع إسرائيل، بما يغيّر شكل الاصطفافات التقليدية في الشرق الأوسط.

في المحصلة، لا تُدار المفاوضات الأميركية–الإيرانية بوصفها مسارًا تقنيًا لحل أزمة نووية، بل كعملية سياسية شاملة تهدف إلى إعادة ضبط موقع إيران في الإقليم والعالم، وإحداث تحولات داخل بنيتها السياسية، لتفادي الحرب من جهة وفرض توازنات جديدة من جهة أخرى.

تحميل المزيد