كل شيء مرتبط بنزع السلاح ولا ضمانات إسرائيلية.. تفاصيل رسائل أمريكية “صادمة” إلى الرئاسات الثلاث في لبنان

عربي بوست
تم النشر: 2025/08/27 الساعة 14:22 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2025/08/27 الساعة 14:22 بتوقيت غرينتش
الوفد الأمريكي في لقاء مع الرئيس اللبناني/ رويترز

عاشت بيروت، وتحديدًا القصر الجمهوري ومقر رئاسة الحكومة ومجلس النواب، الثلاثاء 26 أغسطس/آب 2025، يومًا استثنائيًا باستقبال وفد أمريكي ضم الموفد الخاص إلى تركيا وسوريا ولبنان توماس باراك، ونائبته مورغان أورتاغوس، وعضوي مجلس الشيوخ ليندسي غراهام وجين شاهين، إلى جانب النائب في الكونغرس الأمريكي جون ويلسون.

وحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست"، فإن الوفد الأمريكي نقل "رسائل واضحة" إلى القيادات اللبنانية بشأن الورقة الأمريكية المقترحة حول نزع سلاح حزب الله، موضحةً أن ما حمله المسؤولون الأمريكيون جاء مخالفًا لتوقعات بيروت.

أكدت الرسائل أن نزع سلاح حزب الله والفصائل الفلسطينية في المخيمات هو الشرط الأول، وما عداه يأتي لاحقًا إن حصل، من دون أي وعود إسرائيلية مسبقة أو تسلسل متوازن على طريقة "خطوة مقابل خطوة". بل تم تحديد جدول مطلوب تنفيذه من الحكومة والجيش قبل نهاية العام، على أن تقرر إسرائيل لاحقًا ما إذا كان سيُجرى خفض تدريجي للوجود العسكري جنوبًا.

رسائل أمريكية غير منتظرة

وفق معلومات خاصة لـ"عربي بوست"، فإن جوهر اللقاءات مع الرؤساء جوزيف عون ونواف سلام ونبيه بري جاء مخالفًا للتوقعات اللبنانية، حيث كان الرهان على جواب إسرائيلي بشأن الورقة الأمريكية التي أقرها مجلس الوزراء. لكن الرد الأمريكي كان واضحًا: "لا جواب قبل رؤية خطة الجيش التنفيذية والعملياتية الكاملة لنزع السلاح، بمواعيد وآليات واضحة تغطي الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية".

وقد عكس هذا الموقف تصريحات المسؤولين الذين أوفدتهم إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي خلت من أي التزام مقابل من جانب إسرائيل، ما أوحى بأن واشنطن نقلت الكرة بالكامل إلى الملعب اللبناني، بما يخدم مصالح تل أبيب ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.

وبحسب مصادر حكومية لـ"عربي بوست"، فإن نبيه بري رفض أي صيغة للمنطقة العازلة التي بدأ الأمريكيون والإسرائيليون بطرحها في المرحلة الأخيرة، مهما تغيّر اسمها. وأكد أن شروط لبنان واضحة: عودة الأهالي إلى قراهم، تحرير الأسرى، وقف الاعتداءات والاغتيالات، والإسراع في الإعمار.

أما ردّ الأمريكيين، وفق المصدر نفسه، فلم يخرج عن المعادلة ذاتها: "نزع سلاح حزب الله أولًا، وبعدها فقط يمكن البحث في ما تسميه واشنطن إجراءات متناسبة من الطرف الإسرائيلي".

قصف إسرائيلي على قرى في جنوب لبنان، أرشيفية/ رويترز
قصف إسرائيلي على قرى في جنوب لبنان، أرشيفية/ رويترز

مواجهة مكشوفة في السراي الحكومي

أوضح مصدر حكومي لبناني أن الاجتماع في السراي الحكومي كان الأكثر وضوحًا وصراحة، حيث حمل الوفد إلى رئيس الحكومة نواف سلام ثلاث رسائل رئيسة:

  1. الجيش هو الجهة التنفيذية: عليه أن يضع خطة نزع سلاح حزب الله ويبدأ بالتنفيذ ضمن المهلة، وإلا فإن إسرائيل "جاهزة للمساعدة"، بما فُهم في بيروت على أنه ضغط إضافي.
  2. إطار منطقة اقتصادية: على امتداد الحدود من الجانب اللبناني، عبر نطاق صناعي سياحي وزراعي يعمل بالطاقة الشمسية وغير قابل للسكن الدائم، يُسوَّق كوعاء تشغيل لعشرات الآلاف من عناصر الحزب إذا تخلّوا عن السلاح، بتمويلات أمريكية وخليجية محتملة.
  3. إدراج ملف سلاح الفصائل الفلسطينية: في المخيمات ضمن المعادلة نفسها، بوصفه جزءًا من شرط الأمن الحدودي.

في المقابل، سجّل سلام موقفًا تفصيليًا شدّد فيه على الحاجة إلى ضمانات واضحة ومسبقة بوقف العدوان الإسرائيلي، وخفض مدروس للوجود العسكري في مناطق التماس، إضافة إلى تمويل مباشر لخطة الجيش بما يغطي المتطلبات اللوجستية والموارد البشرية.

كما حذر من الكلفة الاجتماعية والأمنية في حال زُج بالمؤسسة العسكرية في احتكاكات داخل بيئات حاضنة لسلاح حزب الله والفصائل، من دون غطاء سياسي داخلي وضمانات خارجية.

وشدّد سلام على أن أي تنفيذ أحادي تحت الضغط قد يرتد سريعًا، معتبرًا أن أقصى ما يمكن السير به عمليًا هو تدرج منضبط وفق مبدأ "خطوة مقابل خطوة" يحفظ التوازن ويمنع انفجار الشارع.

المشروع الحدودي الاقتصادي: أداة ضغط أم بديل واقعي؟

بدا مشروع المنطقة الاقتصادية الحدودية جزءًا من حزمة ضغط أكثر منه بديلاً جاهزًا للتطبيق الفوري. فالأسئلة التنفيذية كبيرة: من يدير ومن يؤمّن؟ كيف يمكن لسوق عمل محدود القدرة أن يستوعب عشرات الآلاف؟ وأي إطار قانوني يتيح تحويل شريط حدودي حساس إلى منصة صناعية وسياحية من دون تسوية سياسية شاملة؟

الخلاصة اللبنانية الأولى أن هذا الطرح يُستخدم لتسويق مسار نزع السلاح بوعود اجتماعية لاحقة، لكنه يظل مشروطًا بتحقق الشرط الأمني أولًا، ما يفقده عمليًا عنصر التزامن الذي تطالب به الحكومة.

وخارج المقرات الرسمية، نشطت الدبلوماسية الاجتماعية في وسط بيروت، حيث عُقد عشاء عمل في مطعم "Centrale" حضرتْه نائبة المبعوث الأميركي مورغان أورتاغوس، وآخر في فندق "Albergo" وسط العاصمة، دعا إليه توماس باراك وجمع رجال أعمال وشخصيات.

وبحسب المعلومات، فإن المشاركين خرجوا بانطباع شبه متطابق مع رسائل الاجتماعات الرسمية: لا خطوة إسرائيلية جديّة قبل تنفيذ ملموس لخطة نزع السلاح، وما قيل على الطاولة السياسية تَكرّس في لغة الصالونات وتقاطعات المصالح الاقتصادية.

وتؤكد المصادر الحكومية أن عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام كان الأكثر حدّة في شرح الخلاصة: لا انسحاب ولا بحث في النقاط الخمس المحتلة من جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل نزع السلاح، والدعم الخليجي والاستثمارات الكبرى لن تتحرك من دون ذلك.

أما مورغان أورتاغوس فدفعت باتجاه الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، فيما حرص توماس باراك على التأكيد أن المقاربة لا تقود إلى حرب أهلية، بل إلى آليات لإقناع الحزب بالتخلي عن السلاح، مع حديث عن خفض تدريجي للوجود الإسرائيلي عند تحقق تقدم ملموس.

لكنّ الثابت الذي تكرّر في كل المحطات أن لا ضمانات أميركية مسبقة بإلزام إسرائيل بخطوات مقابلة، لا قبل النزع ولا بعده، وأن معيار التناسب تحدده تل أبيب وفق ما تراه على الأرض.

الموقف اللبناني.. خيارات ضيقة وكلفة مرتفعة

تواجه الحكومة اللبنانية واحدًا من أعقد اختبارات القرار منذ سنوات. فالقرار بحصر السلاح صدر، وتكليف الجيش بوضع الخطة قائم، وهو أبرز قرار مطروح، لكن المسار حتى الآن بلا مقابل إسرائيلي واضح ولا ضمانات دولية قابلة للتنفيذ. التمويل الخارجي مشروط، وبيئات الاحتكاك الداخلية حساسة ومفتوحة على تعبئة مضادة.

وعليه، فإن أي محاولة لتنفيذ سريع بلا غطاء سياسي عريض قد تُترجم إلى توترات موضعية، وأي تراجع كامل يضع السلطة في موقع العاجز عن الوفاء بما أعلنته.

بين هذين الحدّين، يظهر خيار ثالث تحاول الحكومة تسويقه: تثبيت مبدأ الاستراتيجية الدفاعية كإطار سياسي تفاوضي يوفّر تدرجًا زمنيًا ومناطقيًا في النزع ويراعي شروط الأمن الاجتماعي. إلا أن هذا الخيار حتى الآن لا يلقى قبولًا أميركيًا أو إسرائيليًا واضحًا.

تشير مصادر مقربة من الحزب لـ"عربي بوست" إلى أنه متشبث بموقفه: لا تسليم للسلاح خارج إطار حوار وطني يفضي إلى استراتيجية دفاعية، ولا قبول بأي صيغة للمنطقة العازلة تعيد تهجير القرى الجنوبية تحت مسميات اقتصادية.

أما التحرك النقابي والشعبي الذي لوّح به الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، فقد تأجّل بعد نقاش داخلي حول جدوى التوقيت وربط الشارع بجلسة الحكومة المخصصة لخطة الجيش. وتؤكد المصادر أن هذا التأجيل لا يعني تهدئة مفتوحة، بل هو إدارة للوقت ورفع تدريجي للضغط داخل المؤسسات، مع استعداد لتعبئة الشارع عند الحاجة.

المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس باراك والرئيس أحمد الشرع في دمشق/ رويترز
المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس باراك والرئيس أحمد الشرع في دمشق/ رويترز

الملف السوري حاضر: حدود وموقوفون ولجان أمنية

لم تخرج دمشق من المعادلة. إذ تشير مصادر حكومية لـ"عربي بوست" إلى أن المبعوث توماس باراك نقل عن الرئيس السوري أحمد الشرع رغبة في بناء علاقة تاريخية مع الدولة اللبنانية، واستعدادًا لبحث ملف الحدود وآليات التنسيق بين دمشق وبيروت.

وعلى المستوى التنفيذي، تستعد بيروت لاستقبال وفد قضائي وأمني سوري في سبتمبر/أيلول 2025، في ظل الحديث عن زيارة يجري التحضير لها للشرع إلى بيروت للقاء رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

ومن المرجح أن يلتقي الوفد السوري المرتقب بمسؤولين في وزارتي الداخلية والعدل وقيادات أمنية لبنانية، ضمن جدول أعمال يشمل: آليات مؤسسية لمعالجة ملف الموقوفين السوريين، ضبط الحدود ومنع التهريب، وتنظيم حركة العبور وفق مذكرات تفاهم قابلة للتطبيق.

وبحسب مصدر لـ"عربي بوست"، فقد أشار باراك خلال لقاءاته في لبنان إلى أن بلاده ستقود جهود تنظيم العلاقة اللبنانية-السورية، مؤكداً أن ما يهم واشنطن أساسًا هو ضبط الحدود ومنع تدفق السلاح والمخدرات على طول الحدود المشتركة.

الكرة في ملعب بيروت والاختبار يبدأ من خطة الجيش

يمكن تلخيص زيارة الوفد الأميركي إلى بيروت في رسالة واحدة: القرار عندكم. فخطة الجيش هي نقطة الانطلاق التي ستُبنى عليها كل الملفات اللاحقة، من خفض تدريجي محتمل في الجنوب إلى أي نقاش حول النقاط الخمس أو المنطقة الاقتصادية. من دون هذه الخطة ومؤشرات تنفيذ ملموسة، لا ضمانات ولا تمويلات ولا استثمارات.

وبين كلفة التنفيذ من دون مقابل واضح وكلفة التراجع من دون بدائل، تبدو السلطة اللبنانية محاصَرة بهوامش ضيقة، فيما يواصل حزب الله تثبيت خطوطه الحمراء والاستعداد لإدارة الوقت والضغط. وعلى الضفة السورية، يلوح مسار مؤسسي ناشئ قد يمنح الحكومة نقاط توازن إضافية إذا أحسنت استثماره، لكنه لن يعفيها من الاستحقاق الداخلي المباشر.

غير أن ما سيحسم الاتجاه في الأسابيع المقبلة هو مضمون خطة الجيش وتوقيت عرضها، حجم الغطاء السياسي الذي ستؤمّنه القوى المشاركة في الحكومة والمعارضة، وكيفية تفاعل الشارع في المناطق الحساسة، إضافة إلى ما إذا كانت واشنطن ستبدي مرونة في إعادة بعض عناصر التزامن لتخفيف الكلفة.

إلى أن تتضح هذه الصورة، يبقى المشهد اللبناني مفتوحًا على ثلاثة مسارات متوازية:

  1. تفاهم مُدار عنوانه استراتيجية دفاعية وجدولة منضبطة.
  2. ضغط تصاعدي بلا اختراق يُبقي البلاد على حافة الاشتباك.
  3. كسر قواعد الاشتباك عبر خطوة إسرائيلية أو قرار من الحزب بفتح جبهة تجنّبًا لصدام داخلي.

كل مسار من هذه المسارات له ثمنه، وجميعها تبدأ من الورقة التي ستضعها قيادة الجيش على طاولة مجلس الوزراء.