أمريكا “تُخَوِّف” مصر بالأزمة الاقتصادية.. كواليس ضغوط واشنطن لقبول تهجير سكان غزة، والقاهرة تقدم خطة جديدة

عربي بوست
تم النشر: 2025/03/26 الساعة 09:45 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2025/03/26 الساعة 09:45 بتوقيت غرينتش
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق/ رويترز

تواصل الولايات المتحدة ضغوطها على مصر للقبول بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهجير سكان قطاع غزة، وذلك تزامناً مع التصعيد العسكري الإسرائيلي على القطاع، في خطوة تهدف إلى خلق واقع جديد يجعل من خطة تهجير الفلسطينيين واقعاً لا تجد الدول العربية، خاصة مصر، مفراً من التعامل معه.

وجاءت تصريحات المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، التي تحدث فيها عن الوضع في مصر وتحذيره من انهيار النظام بسبب الأزمة الاقتصادية وتداعيات حرب غزة، لتكون بمثابة أعلى مراحل الضغط الأمريكي العلني على القاهرة، فيما تحدثت مصادر دبلوماسية عن ضغوط أخرى تمارسها الولايات المتحدة على القاهرة داخل الغرف المغلقة.

ومن خلال هذا التقرير نستعرض تفاصيل الضغوط التي تتعرض لها مصر لقبول خطة تهجير الفلسطينيين من غزة، حسب مصادر سياسية ودبلوماسية كشفت أيضاً لـ"عربي بوست" كيف واجهت القاهرة هذه الضغوط الأمريكية والبدائل المتاحة أمامها للتخفيف من حدة الضغوط الأمريكية وتهديداتها.

الضغوط الأمريكية على مصر

كشف مصدر دبلوماسي مطلع أن الضغوط الأمريكية على مصر تصاعدت قبل انتهاء المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، وأن اجتماع وزراء الخارجية العرب مع المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط في الدوحة خلال هذا الشهر كان شاهداً على طرح أمريكي يتعلق باستقبال مئات الآلاف من الفلسطينيين كمرحلة أولى مقابل مساعدات اقتصادية سخية، لكن القاهرة رفضت هذا العرض، وتكرر الأمر عبر رسالة من ترامب إلى السيسي نقلها وسيط عربي إلى القاهرة الأسبوع الماضي.

وبحسب المصدر ذاته، فإن مؤسسات أمريكية مختلفة تمارس ضغوطاً أيضاً على نظيرتها المصرية بشأن قبول خطة تهجير الفلسطينيين في مقابل تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية واسعة، وأرسلت إشارات على أن المخطط سيتم تنفيذه في كل الأحوال، وأن رفض القاهرة لن يوقفه، وهناك بدائل أخرى ستتجه إليها الولايات المتحدة خلال الأشهر المقبلة.

وشدد المصدر ذاته على أن الإدارة الأمريكية بعثت إشارات إلى القاهرة بأن إسرائيل باتت الآن قادرة على تحرير الرهائن عسكرياً، وأنها تنفذ خطة تعتمد على حصار مناطق بعينها في القطاع وتهجير سكانها والانتقال إلى مناطق أخرى لحين الوصول إلى الرهائن، الذين تعتقد أنهم يتواجدون في منطقة دير البلح بوسط القطاع، وأن استقبال ما بين 500 ألف إلى مليون فلسطيني سيكون مؤقتاً في سيناء.

مارك روبيو انتقد الخطة التي وافقت عليها الدول العربية لوقف خطة تهجير الفلسطينيين/ رويترز
مارك روبيو انتقد الخطة التي وافقت عليها الدول العربية لوقف خطة تهجير الفلسطينيين/ رويترز

وصاحبت هذه الضغوط تصريحات أمريكية علنية أدلى بها وزير الخارجية ماركو روبيو، انتقد فيها الخطة العربية التي تتبناها مصر لإعادة إعمار غزة، معتبراً أنها "لا ترقى إلى معايير إدارة الرئيس ترامب"، وهو ما يتسق مع موقف وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، الذي قال إن "الحرب ستتوقف غداً إن تخلت حماس عن أسلحتها وأفرجت عن الرهائن".

كيف تواجه القاهرة رغبات واشنطن؟

وحاولت القاهرة التخفيف من هذه الضغوط، حيث أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الاثنين 24 مارس/آذار 2025، اتصالاً هاتفياً مع المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، تبادلا خلاله "الرؤى والتقييمات بشأن التطورات في قطاع غزة"، حسب بيان الخارجية المصرية.

وأضافت أن الاتصال تناول "الجهود المشتركة التي تقوم بها مصر وأمريكا وقطر لإطلاق سراح الرهائن والتوصل إلى التهدئة وخفض التصعيد وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وتنفيذه"، وأشار البيان إلى أن الطرفين شددا على "مواصلة العمل المشترك من أجل تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط بحيث تصبح المنطقة خالية من الصراعات والحروب".

وكشف مصدر دبلوماسي في الخارجية المصرية أن الاتصال الهاتفي تضمن رسالة استياء من القاهرة تجاه تصريحات المبعوث الأمريكي، وشرحاً لطبيعة الأوضاع الاقتصادية للقاهرة، وتأكيداً على أن مصر مستمرة في لعب دور الوسيط وصولاً إلى تحقيق السلام، وأشار إلى أن وزير الخارجية أكد أن ما جاء من تصريحات تتعلق بموقف المصريين من النظام بعيدة عن العقل والتفكير المصري.

وأضاف مصدر "عربي بوست" أن القاهرة تدرك طبيعة التحركات الأمريكية والإسرائيلية في هذا التوقيت لتمرير مخطط التهجير، وبالفعل تسعى إلى التعامل مع الضغوط المفروضة عليها عبر ابتكار حلول سياسية يمكن أن تساهم في وقفه.

وما زالت القاهرة تبدي رفضاً لاستقبال أي فلسطينيين على أراضيها، مشيرةً إلى أنه سيتم تسويق الرؤية المصرية داخل دوائر مختلفة في الإدارة الأمريكية لشرح تبعات مخطط التهجير على مصر وكذلك دول المنطقة، ومحاولة الوصول إلى نقاط وسط تضمن تحقيق وقف إطلاق النار، واستعادة الرهائن، وبدء تنفيذ عملية سياسية.

وأشار إلى أن الأزمة الآن تكمن في أن إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، تصران على استكمال عملياتهما العسكرية في القطاع، ويواجه مقترح مصر، الذي لم يتم تقديمه بشكل رسمي وما زال في إطار التباحث حول بنوده، صعوبات مختلفة، سواء فيما يتعلق بهدف إسرائيل نحو إبعاد حماس بشكل كامل عن غزة، أو رغبة الحركة في البقاء في القطاع دون أن يكون لها حضور سياسي، مع التمسك بسلاحها.

مقترح جديد لوقف خطة تهجير الفلسطينيين

أعلن مسؤولون، يوم الاثنين 24 مارس/آذار، أن مصر قدمت مقترحاً جديداً لمحاولة إعادة وقف إطلاق النار في قطاع غزة. وقال مسؤول مصري لوكالة "أسوشييتد برس" إن المقترح ينص على أن تفرج حماس عن 5 رهائن أحياء، من بينهم أميركي-إسرائيلي، مقابل سماح إسرائيل بإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وتوقف القتال لعدة أسابيع، كما ستفرج إسرائيل عن مئات الأسرى الفلسطينيين.

ونقلت الوكالة تصريحات لمسؤول في "حماس" قال فيها إن الحركة "ردت بشكل إيجابي" على المقترح، دون الخوض في مزيد من التفاصيل. ووفقاً لما ذكرته "رويترز"، فإن المبادرة المصرية تتضمن جدولاً زمنياً لإطلاق سراح جميع الرهائن مقابل انسحاب إسرائيلي كامل، بضمانات أمريكية.

كما يشمل المقترح انسحاب القوات الإسرائيلية من محور نتساريم، الذي أعادت إسرائيل الانتشار فيه بعد رفضها الالتزام بالاتفاق السابق. وعلى عكس المحاولات السابقة التي ركزت على وقف إطلاق النار فقط، يحمل المقترح المصري أبعاداً أوسع، حيث يتضمن:

  • إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين تدريجياً مقابل إفراج إسرائيل عن أسرى فلسطينيين.
  • انسحاباً عسكرياً تدريجياً من بعض مناطق غزة، وهي نقطة حساسة قد تثير جدلاً داخل إسرائيل.
  • إدخال مساعدات إنسانية موسعة، وهو مطلب ملحّ في ظل الظروف المأساوية التي يعيشها سكان القطاع.
  • وجود مفاوضات لاحقة حول تهدئة دائمة، وهو ما يفتح الباب أمام حل سياسي أشمل، بحسب "رويترز".

وبحسب مصدر عسكري مصري مطلع على المفاوضات بين حماس وإسرائيل، فإن الخطة المصرية ما زالت في طور البلورة بشكلها النهائي، وتهدف إلى الحصول على تطمينات من حماس والإدارة الأمريكية لإبداء موافقة رسمية عليها عند طرحها، ما يضمن ضغطاً حقيقياً على إسرائيل للقبول بها.

وأشار مصدر "عربي بوست" إلى أن الخطة المصرية تتضمن الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لدى حماس على خمس دفعات متتالية خلال فترة لا تتجاوز شهراً، مقابل إطلاق إسرائيل سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين، على أن يتم وقف الحرب مع تسليم الدفعة الأخيرة، ويتزامن ذلك مع انسحاب الاحتلال من غزة.

وأوضح المصدر ذاته أن المقترح يتضمن أيضاً إعادة إدخال المعدات وآليات رفع الأنقاض إلى القطاع في اليوم التالي لوقف إطلاق النار، كما يتضمن إبعاد حماس عن أي عمل سياسي مباشر، دون أن يتطرق إلى تفكيك سلاحها، مع إمكانية التطرق لهذا الأمر في حال وافق الاحتلال على وجود قوة دولية فاصلة بين قطاع غزة وإسرائيل.

مئات الشهداء بعد استئناف الحرب على غزة - رويترز
مئات الشهداء بعد استئناف الحرب على غزة – رويترز

مهمة صعبة لإقناع الإدارة الأمريكية

وشدد مصدر "عربي بوست" على أن القاهرة تواجه عدة عقبات في تسويق مقترحها، لأن ما تقدمت به لا يركز على العنصر الأمني الذي يتضمنه المقترح الأمريكي، والذي ما زالت تدرسه حركة حماس، كما أنه لا يتطرق إلى نزع سلاح حماس كما تريد واشنطن، بل يقوم على خطة إعادة الإعمار والوصول إلى سلام شامل، وهو ما يتعارض مع مخطط التهجير.

ولفت المتحدث إلى أن الولايات المتحدة لم تتجاوب بعد بشكل إيجابي مع المقترح، وهناك نقاشات إسرائيلية-أمريكية بشأنه، متوقعاً أن يأخذ النقاش حول المقترح، بعد تقديمه بشكل رسمي، وقتاً ليس بالقليل، مع إمكانية إدخال تعديلات عليه. وأشار إلى أن القاهرة تهدف بالأساس إلى وأد مخطط التهجير، وأن بوابتها للنجاح في ذلك هي إقناع الولايات المتحدة بخطورة التهجير، وهو أمر سيأخذ أيضاً جهداً كبيراً.

وذكر المصدر العسكري المصري أن مقترح القاهرة يحاول استباق زيارة وزير التخطيط الإسرائيلي إلى واشنطن خلال الأيام المقبلة لإقناع الإدارة الأمريكية بدعم خطة احتلال قطاع غزة بشكل كامل، وكذلك فإن الذهاب باتجاه عملية سياسية يهدف إلى وقف عمليات تهجير المواطنين في الضفة الغربية.

وأشار مصدر "عربي بوست" أيضاً إلى أنه مع بلورة الخطة المصرية بشكل كامل، فإن القاهرة سوف تسعى إلى أن تحظى بدعم عربي من السعودية والكويت وقطر والإمارات، وهناك رغبة في تحقيق سلام دائم في المنطقة، مع ضرورة الإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية.

وقال مصدر عسكري مصري آخر إن المقترح المصري يهدف إلى إقناع الإدارة الأمريكية بأن خطتها السابقة بشأن تمديد الهدنة يمكن تنفيذها مع إدخال تعديلات بسيطة عليها دون التصعيد وصولاً إلى مرحلة تهجير الفلسطينيين. كما يسعى إلى تحقيق اختراق في مواقف الولايات المتحدة تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية، التي يقول الاحتلال إنها تتم بضوء أخضر أمريكي.

وأشار مصدر "عربي بوست" إلى أن المقترح يحقق مصالح جميع الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وحماس وإسرائيل أيضاً، لكنه سيواجه رفضاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فهو الوحيد الذي لا يريد السلام، ويسعى إلى تنفيذ مخطط التهجير لإنقاذ نفسه من ثلاث قضايا فساد يحاكم فيها.

وأوضح المتحدث أن مصر، بالرغم من توالي الضغوط الأمريكية لاستقبال الفلسطينيين، مقتنعة بأن ترامب قد يكون أكثر تشجيعاً على السلام، أسوةً بما يجري الآن في الحرب الروسية-الأوكرانية، وأن التعويل يبقى على ضغوط إدارة ترامب على إسرائيل إلى جانب ضغوط أهالي الأسرى.

وأشار إلى أن مصر لن تقبل تهجير الفلسطينيين إلى شبه جزيرة سيناء، فهي بمثابة خط أحمر لا يمكن القبول به، ويحظى هذا الموقف بدعم شعبي كبير من المواطنين الذين يؤيدون موقف النظام المصري.

وشدد على أن مصر لن تفقد الأمل في حال عدم الموافقة على المقترح الحالي، وسوف تعقد جلسات نقاش مشتركة مع الإدارة الأمريكية للخروج بمقترح آخر جديد تتبناه الولايات المتحدة، لضمان قيامها بالضغط على إسرائيل للقبول به.

كما أن القاهرة تضع في حساباتها النتائج السلبية المحتملة حال كان هناك إصرار على ملف التهجير من جانب واشنطن، وما يترتب على ذلك من قرارات تهدف إلى تضييق الخناق على الاقتصاد المصري، وهو ما يدفع القاهرة إلى اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي لتسريع الحصول على حزمة الدعم الاقتصادية، بالإضافة إلى اتصالاتها مع أطراف أخرى تقف في الجهة المقابلة للرغبة الأمريكية في التهجير.

تحميل المزيد