عنصرية الماريغوانا.. كيف تشجع إسرائيل المستوطنين على زراعة المخدرات بمناطق السلطة وتحميهم من العقاب؟

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2022/10/31 الساعة 18:13 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/10/31 الساعة 18:27 بتوقيت غرينتش
المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية/ رويترز

لو زرع تاجرا ممنوعات، أحدهما إسرائيل والآخر فلسطيني، قطعتي أرض متجاورتين بالمخدرات في الضفة الغربية، وألقيا القبض عليهما في اللحظة نفسها، فقد يقضي التاجر الفلسطيني سنوات في السجن، بينما يغادر الإسرائيلي إلى منزله مصحوباً بالاعتذار، حيث يبدو أن عنصرية إسرائيل تتوسع لتشمل كل شيء حتى المخدرات فيما يمكن تسميته بـ"عنصرية المخدرات الإسرائيلية".

في الحانات والمقاهي بجميع أنحاء إسرائيل، الهواء معبأ بدخان الحشيش. فعلى مدى سنوات، كان تدخين الحشيش مسموحاً به اجتماعياً في إسرائيل على الرغم من أنه غير قانوني. ومن المفارقات أنَّ تدخين الماريغوانا مسموح به في الأماكن العامة بإسرائيل أكثر من دول مثل كندا، حيث يسمح القانون بتناول الماريغوانا الترفيهية. وغالباً ما تغض الشرطة الطرف عن ذلك في المقاهي العصرية وأحياء الطبقة الوسطى بإسرائيل.

من الطبيعي أن قوانين السلطة الفلسطينية باعتبارها دولة عربية إسلامية لا تتسامح في تجارة وتعاطي المخدرات، ولكن المفارقة أن القوانين التي تمنع المخدرات في الضفة لا تطبق على المستوطنين أو الإسرائيليين القادمين من أراضي 48، حتى لو فعلوا ذلك في الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية.

فجدار الفصل الإسرائيلي لا يحرم الفلسطينيين اقتصادياً وعسكرياً وقانوناً من العديد من حقوقهم الأساسية فقط، بل يمنع السلطة من معاقبة أي إسرائيلي يرتكب أي جريمة في الضفة وضمن ذلك زراعة المخدرات حتى لو تمت معاقبة فلسطينيين عن الجريمة ذاتها، حسبما ورد في تقرير لمجلة The Intercept الأمريكية.

جدار الفصل يرسخ نظام التفرقة العنصرية

يشكّل الفصل العنصري جزءاً من حياة الفلسطينيين اليومية، فتساهل الشرطة الإسرائيلية مع المخدرات يمتد للمستوطنين بالضفة الغربية المحتلة. فبدلاً من مواجهة القضاء العسكري الإسرائيلي الذي يخضع له الفلسطينيون، يتمتع الإسرائيليون الذين يعيشون بالمستوطنات في الضفة الغربية بالحماية من خلال نظام قانوني كامل مبني على عدم المساواة المتفشية لدرجة أنه ساهم في اتهام إسرائيل بارتكاب جريمة إدارة نظام "الفصل العنصري"، وفقاً للعديد من المنظمات الحقوقية الدولية المرموقة.

يُشكّل التباين في المعاملة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عندما يتعلق الأمر بالماريغوانا جانباً من جوانب هذا النظام الذي يمكن تسميته بالفصل العنصري لمخدر الماريغوانا. تُقابَل مخالفة فلسطيني وإسرائيلي للقانون نفسه في المكان نفسه بالضفة الغربية؛ على سبيل المثال، بالتعامل من قوى أمنية مختلفة وأنظمة قانونية مختلفة.

قال عمر شاكر، مدير قسم إسرائيل وفلسطين في منظمة هيومن رايتس ووتش: "لديك حقيقة أساسية، مفادها أنَّ الإسرائيليين، بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه، يُحكَمون في ظل نظام واحد ويتمتعون بالحقوق القانونية نفسها، بينما في الوقت نفسه الفلسطينيون الذين يعيشون بالمنطقة نفسها يخضعون لمجموعات مختلفة من القواعد القانونية".

وتعرض شاكر للترحيل من إسرائيل بسبب عمله مع منظمة هيومن رايتس ووتش، التي اتهمت إسرائيل بجريمة الفصل العنصري. وقال إنَّ التناقضات في المعاملة القانونية للفلسطينيين والإسرائيليين بالأراضي المحتلة لجرائم بسيطة مثل حيازة الماريغوانا، تمثل تجسيداً لنظام الفصل الإسرائيلي.

وأضاف أنَّ إسرائيل "عليها أن تستخدم آليات قانونية تحايلية لتطبيق القانون الجنائي بشكل فردي على الإسرائيليين الذين يعيشون في منطقة ما، بينما الفلسطينيون الذين يعيشون بالمنطقة نفسها يخضعون لقانون عسكري إسرائيلي شديد القسوة. ويحدث ذلك ضمن سياسة شاملة لتمييز شعب على حساب الآخر".

ولاية قضائية ممزقة تؤدي إلى عنصرية المخدرات الإسرائيلية

حتى إن ضباط الجيش الإسرائيلي السابقين يعترفون بواقع الأنظمة القانونية المزدوجة عند التعامل مع مخدر الماريغوانا. قال المحامي المقدم موريس هيرش، وهو مسؤول كبير في جماعة "مراقبة الإعلام الفلسطيني" اليمينية، والذي شغل منصب رئيس الادعاء العام العسكري الإسرائيلي خلال الفترة 2013-2017: "في العديد من الحالات، هناك ولاية قضائية موازية، ثم تعتمد المسألة على السياسة تحت أية ولاية تخضع الحالة".

كان هيرش أكبر محامٍ في نظام تُناقَش فيه القضايا أمام ضباط عسكريين بدلاً من قضاة مدنيين، ويمكن للإدانات أن ترسل مدنيين فلسطينيين إلى سجون عسكرية. ومع ذلك، أكد أنه في كثير من الأحيان، يُسلَّم الفلسطيني الذي يُقبَض عليه بتهمة الحشيش في حالة لا تشمل ضحية إسرائيلية إلى شرطة السلطة الفلسطينية.

عنصرية المخدرات الإسرائيلية
جنود الاحتلال الاسرائيلي يفرضون حصاراً على بلدة سلواد/ Getty images

المسكوت عنه أن الفلسطيني المتورط في جريمة مرتبطة بالمخدرات يعاقب من قبل إسرائيل لو مست جريمته الإسرائيليين، في حين أن الإسرائيليين الذين يتعاملون في الشحنة نفسه يتم التعامل معهم بتساهل شديد.

وضرب المدعي السابق مثالاً على شخصين في الضفة الغربية، إسرائيلي وفلسطيني، أُلقِي القبض عليهما بالحشيش. وقال هيرش: "ستُفرَض غرامة على الإسرائيلي وفق طبيعة العملية القانونية. لكن لن تتعامل سلطات إنفاذ القانون الإسرائيلية مع الفلسطيني، حيث يمكنها تسليمه للسلطة الفلسطينية طالما جريمته لا تمس إسرائيليين".

أما جرائم المخدرات الأخطر التي تعتبر ذات تأثير على إسرائيل- مثل تهريب الحشيش أو الزراعة على نطاق واسع- فينتهي المطاف، بمرتكبيها في محكمة عسكرية إسرائيلية، حيث تكون الإدانة تقريباً قراراً مُتخَذاً سلفاً. 

وحتى لو سُلم الفلسطيني للسلطة فسوف يلقى عقاباً شديداً، أي إنه بغض النظر عن النظام الذي يحالون إليه، يواجه الفلسطينيون المتهمون بارتكاب جرائم متعلقة بالمخدرات عقوبات قاسية، بينما العقوبات إما لا تكون موجودة وإما ضعيفة على الإسرائيلي في تطبيق فج لنظام عنصرية المخدرات الإسرائيلية.

وأشار هيرش إلى أنَّ قوانين مكافحة المخدرات الصارمة للسلطة الفلسطينية مأخوذة من القانون العسكري الإسرائيلي. على سبيل المثال، يواجه الفلسطينيون المتهمون بحيازة كميات صغيرة من المخدرات أحكاماً بالسجن من السلطة الفلسطينية تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.

إذا كنت إسرائيلياً فتستطيع زراعة المخدرات بالضفة دون عقاب، بينما الفلسطيني سيسجن!

تصل عنصرية المخدرات الإسرائيلية إلى ذروتها في التعامل مع التجار الإسرائيليين.

فنظراً إلى أنَّ الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية لا يستطيعون مقاضاة الإسرائيليين، فقد أقام بعض الإسرائيليين عمليات زراعة كبرى في المدن التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية مثل رام الله وقلقيلية والخليل وجنين، لخدمة مطالب السوق الإسرائيلية وليس الفلسطينية (رغم أنه من الصعب الفصل بينهما). 

وعندما تداهم السلطة الفلسطينية عمليات الزراعة هذه في الضفة الغربية، غالباً ما يواجه الفلسطينيون المتورطون في الأمر وحدهم العواقب، بينما لا تتم معاقبة الإسرائيليين، وبسبب غياب التداعيات أو العقوبات، سرعان ما يعود الإسرائيليون لإعادة تأسيس عمليات زراعة المخدرات في أراضي السلطة.

قال علي، وهو فلسطيني في الثلاثينيات من الضفة الغربية: "يمكن أن يوقفوا عمليات الزراعة، لكنهم يعودون بعد أسبوع، لأنَّ السلطة الفلسطينية لا تستطيع مقاضاتهم".

عنصرية المخدرات الإسرائيلية
الجدار العازل الذي شيدته إسرائيل داخل الضفة الغربية/رويترز

أضاف: "حتى لو أعطت السلطة الفلسطينية كل الأدلة لسلطات الاحتلال، يمكن للإسرائيليين المتورطين أن يقولوا فقط إنهم تعرضوا للتعذيب أو الضرب على أيدي السلطة الفلسطينية". 

وأقر المدعي العام هيرش بأنَّ المحاكم الإسرائيلية غالباً ما تتخلى عن الأدلة التي قدمتها السلطة الفلسطينية ضد الإسرائيليين؛ لعدم استيفائهم معايير المحاكم المدنية الإسرائيلية، حسب تعبيره.

ومع ذلك، يملك نظام المحاكم الفلسطينية عدداً أقل من الضمانات لفرض معايير الإثبات، وبالتالي فإنَّ الفلسطينيين الذين يثبت تورطهم لا يزالون يواجهون عواقب في الجرائم نفسها التي تمت تبرئة الإسرائيليين منها.

الشرطة الإسرائيلية تتساهل مع تجار المخدرات بالمناطق المحتلة

من خلال بضع نقرات على هواتفهم على Telegrass، وهي سلسلة من القنوات على تطبيق الدردشة المشفر تليغرام، والانتظار لمدة ساعة، يمكن للإسرائيليين الوصول إلى تاجر المخدرات الذي يختارونه.

أريك هو ترس في آلة على الإنترنت توفر لمئات الآلاف من مستهلكي الماريغوانا في إسرائيل- ومستوطنات الضفة الغربية- النباتات الترفيهية (المخدرة).

وقال أريك إنَّ المتعاطين الفلسطينيين لا يستطيعون شراء المخدرات بالطريقة نفسها،  فنقاط التفتيش تشكل عصباً أساسياً في حياتهم، حتى لو كانوا من القدس الشرقية.

وعلى غرار أريك، فإنَّ معظم تجار Telegrass لن يبعوا الممنوعات للفلسطينيين في الضفة الغربية، بينما غزة- التي تحاصر إسرائيل سكانها منذ 15 عاماً- محظورة على جميع الإسرائيليين. 

ولكن تجار المخدرات الإسرائيليين ينقلون سمومهم للفلسطينيين بطريقة أخرى.

يتبع هؤلاء العملاء الطريقة القديمة: إما من خلال تجار الأحياء وإما من خلال الاعتماد على العلاقات الشخصية في المجتمعات الحدودية الفلسطينية أو مخيمات اللاجئين الفقيرة للفلسطينيين الذين شُرِّدَت عائلاتهم خلال نكبة عام 1948.

وتتعرض مجتمعات الطبقة العاملة المعزولة التي تقع في الغالب تحت الولاية الشرطية للجيش الإسرائيلي، ومخيمات اللاجئين في الضفة الغربية لهجمات عدوانية لكبح النشاط السياسي والمقاومة المسلحة. 

ولكنها مناطق معروفة للشباب الفلسطينيين من الطبقة الوسطى على أنها أماكن تغض فيها قوات الأمن الإسرائيلية أعينها عن المخدرات.

بينما الشرطة الفلسطينية تتصدى بحزم للتجار المحليين فقط

وبينما ازداد استياء الشعب الفلسطيني في الضفة من السلطة الفلسطينية بسبب تعاونها المستمر مع الجيش الإسرائيلي، فإن  حملات السلطة ضد المخدرات لا تزال تحظى بدعم شعبي واسع من قبل الفلسطينيين.

وتعمل السلطة الفلسطينية على توزيع منشورات تكشف مخاطر الماريغوانا ومخالفة المخدرات لأحكام الدين، وتأثيراتها الأسرية المدمرة. وتسعى الشرطة والمحاكم، في كثير من الأحيان، إلى جعل المدخنين والتجار المعتقلين عبرة. 

ومع ذلك، ربما يكون الجزء الأكثر نجاحاً في حملة السلطة الفلسطينية الرسمية لمكافحة المخدرات هو تنبيهها إلى أن استخدام الماريغوانا أو بيعها عمل من أعمال التعاون مع إسرائيل ويساعد المُحتَل. 

كما تحذّر السلطة من أن تجار المخدرات والمدخنين الذين يتم توقيفهم من قبل إسرائيل يمكن بسهولةٍ ابتزازهم والضغط عليهم للتعاون مع سلطات الاحتلال.

تحميل المزيد