يكشف تحليل أجراه "عربي بوست" لحركة الملاحة في مضيق هرمز، خلال الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، عن طبيعة السفن التي تسمح طهران بعبورها بأمان، في وقت تتعرض فيه سفن أخرى للاستهداف، وتُظهر البيانات مشهداً بحرياً معقداً وانتقائياً، تبرز فيه ثلاثة أنماط من الناقلات التي لا تزال تحظى بعبور آمن عبر المضيق.
ويُظهر فحص السفن التي واصلت العبور خلال فترة الرصد، أن هذه الأنماط الثلاثة تشمل السفن الإيرانية، والناقلات المتهمة بالارتباط بـ"أسطول الظل" الإيراني المستخدم في نقل النفط الإيراني، إضافة إلى ناقلات تابعة لدول تمتلك قنوات تنسيق مع إيران تضمن مرورها من دون استهداف.
وتشكّل عشرات السفن التي رصد "عربي بوست" حركتها في مضيق هرمز، عينة محدودة من حركة الملاحة الكثيفة التي كان يشهدها المضيق قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط 2026، ومع ذلك، فإنها تقدم صورة واضحة عن "الإغلاق الانتقائي" الذي تطبقه إيران حالياً؛ فالمضيق لا يُغلق بالكامل، بل يُعاد تنظيم المرور فيه، وفق هوية السفن والجهات المستفيدة من عبورها.
وتشير البيانات الملاحية الخاصة بتحركات السفن في مضيق هرمز، إلى أن إيران، وبعد 19 يوماً من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تزال قادرة على التحكم في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، في حين لا تزال الولايات المتحدة، حتى الآن، غير قادرة على تأمين عبور آمن لجميع السفن.
ويُعد مضيق هرمز، أحد أهم نقاط الاختناق النفطية على مستوى العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط، وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن الممر وقبل بدء الحرب، كان يمر من خلاله يومياً نحو 20.9 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل ربع إجمالي تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً.
عشرات السفن عبرت مضيق هرمز
يغطي التحليل الذي أجراه "عربي بوست" الفترة الممتدة بين 3 مارس/ آذار و17 مارس/ آذار 2026، وخلالها جرى رصد عبور 35 سفينة عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا الرقم حصراً نهائياً لحركة الملاحة في المضيق خلال تلك المدة، لأنه يعكس فقط السفن التي أمكن تتبعها عبر بياناتها الملاحية.
ويقتصر هذا الرصد على السفن التي فعّلت نظام التعريف الآلي AIS أثناء عبورها المضيق، وهو النظام الذي يتيح تحديد موقع السفينة خلال الإبحار. أما السفن التي عطّلت هذا النظام، وهو تكتيك تلجأ إليه بعض السفن لتفادي المراقبة أو الاستهداف، فلا تظهر ضمن بيانات التتبع. وهذا يعني أن سفناً أخرى ربما عبرت المضيق من دون أن تترك أثراً معلناً.
وتكشف حركة الملاحة خلال فترة الرصد أن غالبية السفن التي عبرت المضيق كانت سفن شحن تجاري وناقلات نفط وغاز، فيما تعود ملكيتها، أو توجد مقار إدارتها، إلى 10 بلدان نستعرضها في الفقرات التالية.
وتُظهر البيانات أن السفن المخصصة لنقل "الصب الجاف" شكّلت النسبة الأكبر من حركة العبور، إذ بلغ عددها 18 سفينة من أصل 35، أي ما يعادل 51.4% من إجمالي السفن التي عبرت خلال فترة الرصد، وتعرّف المنظمة البحرية الدولية IMO هذه الفئة بأنها السفن المخصصة لنقل البضائع غير المعبأة، مثل الحبوب الزراعية، وخام الحديد، والفحم.
ومن بين هذه السفن، سفينة تعود إلى إيران ومدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، وهي سفينة (Parshad) التي تحمل الرقم التعريفي 9387786.
كما تُظهر البيانات أن 9 سفن من أصل 35، أي ما نسبته 25.7% من السفن التي أمكن تتبعها خلال فترة الرصد، كانت مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، حيث تتهم وزارة الخزانة الأمريكية هذه السفن، أو الشركات المرتبطة بها، بالمساهمة في نقل النفط الإيراني أو إدارة عمليات شحن مرتبطة به، رغم العقوبات المفروضة على طهران.
عبور انتقائي لناقلات الطاقة
من بين السفن التي جرى تتبعها خلال فترة الرصد، برزت ناقلات الطاقة بوصفها الفئة الأكثر حساسية في حركة العبور عبر مضيق هرمز. وقد رصد "عربي بوست" عبور ما لا يقل عن 8 ناقلات طاقة بين 3 و17 مارس/ آذار 2026، بينها 4 ناقلات نفط و4 ناقلات غاز.
وبعد مراجعة أسماء هذه السفن وأرقامها التعريفية وبيانات ملكيتها وإدارتها، ومطابقتها مع قوائم العقوبات الأمريكية، تبيّن أن 6 من أصل 8 ناقلات طاقة كانت مدرجة على هذه القوائم، بعضها بتهمة الانتماء إلى "أسطول الظل" الإيراني، الذي يضم ناقلات قديمة تُخفي هويتها وتحركاتها لنقل النفط الإيراني والالتفاف على العقوبات.
ويُظهر تتبع حركة الناقلات أن إيران سمحت بعبور 4 ناقلات نفط خلال الفترة من 3 إلى 17 مارس/ آذار 2026، بينها 3 ناقلات مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية. وهذه الناقلات هي:
الناقلة KARACHI: تحمل الرقم التعريفي 9903413، وهي الناقلة الوحيدة غير المدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية. وتشير بياناتها إلى أنها تعود إلى شركة باكستانية، وقد عبرت مضيق هرمز في 15 مارس/ آذار 2026، لتكون أول ناقلة نفط تعبر من دون ارتباط بإيران.

– الناقلة Jordan: تحمل الرقم التعريفي 9222443، وتعود ملكيتها إلى الشركة الصينية HOZDRA GROUP LTD، وهي مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، إذ تتهمها وزارة الخزانة الأمريكية بالتعامل مع سفن من "أسطول الظل" والمشاركة في نقل ملايين البراميل من النفط الإيراني.
وتُظهر بيانات التتبع أن السفينة كانت قبالة السواحل الإيرانية في 1 مارس/ آذار 2026، قبل أن تعبر مضيق هرمز في 7 مارس/ آذار 2026.

– الناقلة MT CUMA: تحمل الرقم التعريفي 9379703، وهي مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية لارتباطها بشركة HARRY VICTOR SHIP MGMT، ومقرها الإمارات، والتي تتهمها وزارة الخزانة الأمريكية بإدارة سفن نقلت شحنات متعددة من البتروكيماويات الإيرانية.
تُصنّف السفينة أيضاً ضمن "أسطول الظل" المرتبط بتجاوز العقوبات. وقد عبرت مضيق هرمز في 9 مارس/ آذار 2026، بعد أن أمضت أياماً قبالة بندر عباس خلال فبراير/ شباط 2026.

الناقلة LAN JING: تحمل الرقم التعريفي 9288095، وهي مدرجة أيضاً على قوائم العقوبات الأمريكية لارتباطها بشركة HARRY VICTOR SHIP MGMT التي يقع مقرها في الإمارات. وقد عبرت السفينة المضيق في 11 مارس/ آذار 2026.

أما ناقلات الغاز التي عبرت المضيق وكانت مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، فهي الناقلة DANUTA I التي تبحر تحت علم بنما وتحمل الرقم التعريفي 9193721، وقد عبرت المضيق في 6 مارس/آذار 2026، فيما تُظهر بيانات أحد مواقع التتبع أن موقعها كان قبالة مياه سريلانكا.
والناقلة الثانية، هي MARSER، وتديرها شركة مقرها الشارقة في الإمارات، وتحمل الرقم التعريفي 9031519، وعبرت المضيق في 11 مارس/آذار 2026، فيما تُظهر بيانات أحد مواقع التتبع أن موقعها كان أيضاً قبالة مياه سريلانكا.
الدول التي عبرت ناقلاتها بأمان من هرمز
يشير تتبع ملكية السفن وإدارتها، التي رصد "عربي بوست" عبورها مضيق هرمز خلال الحرب، إلى جملة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية التي وضعتها إيران في الحسبان عند السماح لبعض الناقلات بالمرور.
وتُظهر البيانات أن الناقلات المرتبطة بملكية أو إدارة صينية سجلت النسبة الأكبر من العبور الآمن عبر مضيق هرمز خلال الحرب. فمن بين 35 سفينة رُصد عبورها، كانت هناك 9 سفن مرتبطة بالصين، أي ما يقارب 26% من الإجمالي.
ويكشف هذا الحضور الكثيف عن نمط يبدو أن طهران تلتزم به، إذ لا تستهدف السفن ذات الارتباط الصيني، بالنظر إلى أن الصين تُعد المشتري الأكبر للنفط الإيراني، والشريك الاقتصادي الأبرز الذي يساعد الاقتصاد الإيراني على الصمود تحت وطأة العقوبات.
كما أظهر التتبع أن عدداً من السفن الصينية كان يبث رسائل عبر نظام التعريف الآلي أثناء عبوره مضيق هرمز، يعلن فيها ارتباطه بالصين، ثم يواصل المرور بأمان. ومن بين هذه السفن، الناقلة GUAN YUAN FU XING، المملوكة للشركة الصينية HAINAN GUANYUAN SHIPPING LTD.
وبثت السفينة، أثناء عبورها المضيق وبعده، رسالة عبر نظام التعريف الآلي تشير فيها إلى أنها مملوكة للصين.

وتكشف البيانات أيضاً تناقضاً واضحاً في ما يتعلق بمقار بعض السفن أو الجهات التي تديرها؛ إذ رصد "عربي بوست" 8 سفن ترتبط ملكيتها أو إدارتها بالإمارات، وهو رقم يقترب من الحضور الصيني.
غير أن المشهد المرتبط بالإمارات يبدو أكثر تعقيداً؛ فأربع من هذه السفن مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، وهي الناقلات: MT CUMA وMARSER وLAN JING وDANUBE. وقد أُدرجت ضمن حزم العقوبات الأمريكية المرتبطة بملاحقة تجار النفط الإيراني غير الشرعيين و"أسطول الظل".
ويبرز هنا تناقض لافت، فالإمارات دولة تتعرض لضربات صاروخية إيرانية، وتُصنَّف في الخطاب الرسمي ضمن حلفاء الغرب، لكنها تستضيف في الوقت نفسه شركات تدير سفناً تسهم في استمرار تدفق عائدات الطاقة الإيرانية رغم الحرب والعقوبات، فضلاً عن دورها في عمليات الشحن.
وتشير البيانات إلى أن الإمارات، تمثل مركزاً رئيسياً لإدارة ما يُعرف بـ"أسطول الظل"، أي الأسطول الموازي المستخدم للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على إيران.
كما تبرز الناقلات المرتبطة بالهند ضمن السفن التي عبرت المضيق خلال فترة الرصد، إذ عبرت سفينتان هنديتان، وكلتاهما ناقلتا غاز، وهما:
SHIVALIK: تحمل الرقم التعريفي 9356892، وتعود ملكيتها إلى شركة SHIPPING CORP OF INDIA LTD. وقد عبرت الناقلة مضيق هرمز يوم 14 مارس/ آذار 2026، بعد توقفها في المياه المقابلة لميناء بندر عباس الإيراني، قادمة من مياه الخليج العربي. وتشير بيانات أحد مواقع التتبع، بتاريخ 16 مارس/ آذار، إلى وصولها إلى المياه الهندية.
NANDA DEVI: تحمل الرقم التعريفي 9232503، ومرتبطة بنفس الشركة الهندية SHIPPING CORP OF INDIA LTD، وعبرت هي الأخرى مضيق هرمز يوم 14 مارس 2026، ويشير أحد المواقع إلى أنها في مياه الهند.
وتاريخيا كانت الهند من كبار مشتري النفط الإيراني، لكنها خفضت ثم أوقفت وارداته النفطية عمليًا منذ 2019 تحت ضغط العقوبات الأمريكية، مع احتفاظها رغم ذلك بعلاقات دبلوماسية واقتصادية مع طهران.

ويأتي عبور عشرات الناقلات من مضيق هرمز في وقت شهدت فيه مياه الخليج العربي عدة عمليات استهداف منذ بداية الحرب. وتشير بيانات المنظمة البحرية الدولية (IMO) التابعة للأمم المتحدة إلى أنه، منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط 2026 وحتى 17 مارس/ آذار 2026، جرى تأكيد 17 حادثة استهداف لناقلات.

ومنذ 28 فبراير/شباط تشن إسرائيل والولايات المتحدة حربا على إيران، أودت بحياة مئات الأشخاص، بينهم المرشد علي خامنئي ومسؤولون أمنيون، فيما ترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل.
كما تستهدف إيران ما تقول إنها مواقع ومصالح أمريكية في دول عربية، غير أن بعض الهجمات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وألحقت أضرارا بأعيان مدنية، وهو ما أدانته الدول المستهدفة.
وتسببت الحرب الحالية في ارتفاع أسعار النفط، خصوصا مع تصاعد الصراع، وإعلان طهران في 2 مارس /آذار تقييد حركة الملاحة بمضيق هرمز.