تُعطي دول العالم المتقدّمة للعلم قيمته، وتصون مكانته، وتشجع على نيل أعلى مراتبه وترفض -وهو الأهم- أن يُساء إلى المؤهلات العلمية، أو استغلالها من قِبل أي شخص مهما بلغت منزلته حتى لو كان وزيراً، بل رئيساً للدولة، ولعلنا نذكر جيداً قصة استقالة الرئيس بال شميت، رئيس جمهورية المجر في عام 2012م، عندما قررت جامعة سيميلويس المجرية تجريده من لقب "دكتور" الذي حصل عليه عام 1992، وذلك بعد اكتشافها -من خلال لجنة تحقيق جامعية مختصة- أن السيد شميث قد نسخ مجمل رسالته من مؤلفين آخرين!
حينذاك، لم يستطِع الرئيس المجري الاستمرار في منصبه (رئيس جمهورية)؛ حيث أعلن -فوراً- استقالته من منصبه بسبب هذه الفضيحة المتعلقة بانتحاله رسالة علمية من أجل حصوله على لقب الدكتوراه، بل دفعته شجاعته الأدبية لأن يقف أمام البرلمان ويعلن استقالته، قائلاً: "يجسد الرئيس وحدة الأمة، وفي الموقف الراهن أشعر بأنني ملزم بالتخلي عن الرئاسة".
وأما وزير الدفاع الألماني كارل ثيودور تسو غوتنبيرغ الذي كان يحظى بلقب (البارون) أصغر الوزراء الألمان سنّاً (39 عاماً)، وأكثرهم شعبية وأقوى المرشحين -آنذاك- لخلافة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فقد قدّم هو الآخر استقالته في عام 2011م، بعد اتهامات له بالغش في أطروحته التي نال بها درجته العلمية (الدكتوراه) في القانون من جامعة بايروث University of Bayreuth عام 2006م، وقيام الجامعة بسحب هذا اللقب منه بعد اكتشافها أن أطروحته لم تكن نتيجة "عمل علمي صحيح"؛ إذ وجدت في أطروحته فقرات كاملة نقلها حرفياً من مؤلفات أخرى دون الإشارة إلى مصادرها.
شجاعة الوزير الألماني قادته إلى إعلان استقالته على الملأ، وأن يقول في مؤتمر صحفي: "أقدّم اعتذاراتي إلى جميع الذين أسأت إليهم.. إنها مسالة أدبية، لطالما أبديت استعداداً للنضال، لكنني قمت بأقصى ما يمكنني القيام به.. إنني أنسحب"، مؤكداً إحساسه بالمسؤولية ومحافظته على المصداقية ومعتبراً الاستقالة بأنها الخطوة الأكثر ألماً في حياته.
الاكتشافات (الفضائحية) تلك وما أعقبها من استقالات تتعلق بأخطاء أو تجاوزات في النقل، أكرّر: أخطاء وتجاوزات في النقل، قامت عليهم الدنيا ولم تقعد أو تهدأ إلا بالاستقالة، بينما الأمر في بلداننا يختلف تماماً، ولا يتعلق بمثل هذه الأخطاء أو التجاوزات، نحن عندنا ليس مطلوباً التحقيق في كيفية حصول البعض على لقب (الدكتوراه)، أو سلامة حصوله عليه، فهذا التحقيق -إن حصل- يكون في حالة اكتسابه للقب من جامعات مرموقة ومعترف بشهاداتها، إنما عندنا يتهافت البعض على اقتناء لقب "دكتور" من جامعات غير معروفة -وربما غير موجودة إلاّ على شاشات الكمبيوتر- هي أقرب إلى "الدكاكين" أو مجرّد "مراكز جباية" تعطي هذا اللقب بحسب ما يُدفع لها من أموال! يتردد عليها اللاهثون وراء حرف (د) فيحصلون منها على شهادات عليا، سواء "ماجستير" أو "دكتوراه" أو "بروفيسور" ممهورة بالتواقيع والأختام والاعتمادات، ويعودون إلى بلدانهم، لا أحد يسألهم عن محتوى رسائلهم، ولا عن نقلهم وأمانتهم العلمية، ولا أحد يُشكك في قدراتهم الأكاديمية والبحثية فقد أصبحوا -فجأة- يحملون لقب "دكتور"، مع أنهم ليس لديهم ماجستير ولا بكالوريوس وربما من دون ثانوية عامة!!
إنه بلا شك أمر فضائحي أن يهدر بعضهم الحياء إلى حدّ أن يرفض أن يناديه أحد أو يُكتب اسمه دون أن يكون مقروناً بلقب "دكتور" الذي حصل عليه بغير الطريقة العلمية الصحيحة، حصل عليه بالغش والخداع والشراء، فهنالك تسابق غريب على الحصول على الألقاب العلمية، ولربما أصبحت من المتطلبات المتزايدة للوجاهة و(الرزّة) دونما مبالاة لفضائحية حصولهم عليها، ودون مراعاة لنوع التخريب العلمي والأكاديمي الذي يتسببون فيه لـ(الدكاترة) الحقيقيين في الحاضر والمستقبل.
مؤخراً قضت إحدى المحاكم الكويتية بالسجن سبع سنوات على شخص سمّته الصحف بـ(إمبراطور الشهادات الوهمية) بعد القبض عليه واعترافه بأنه تحصّل على قرابة ثلاثة ملايين دينار كويتي من إيراد الشهادات الوهمية التي يبيعها والبالغة (600) شهادة تقريباً، قيمة الشهادة الواحدة تبلغ (4500) دينار!! وأحسب أن مثل هذا (الإمبراطور) موجود أمثاله في أكثر من مكان من بلدان المعمورة.
سانحة:
قد لا نستغرب إن اكتشفنا أن بعض الوجهاء الحريصين على أن تُسبق أسماؤهم بحرف (د) لا يصلحون إلاّ أن يكونوا في مستوى "يعرف القراءة والكتابة" وفقط.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.